
في الثالث والعشرين من يناير من العام 2025 نقلت NBC News الأمريكية عن دونالد ترامب طلبه بعد يوم واحد من حديثه الهاتفي مع ولي العهد السعودي زيادة قيمة الحد الأدنى للاستثمارات، والتي تعتزم المملكة العربية السعودية القيام بها خلال السنوات الأربعة المقبلة، ووعد بها الأخير خلال اتصال ترامب معه عبر الأثير، من 600 مليار دولار، وذلك بعد «تقريب Round out» المبلغ الموعود من الاستثمارات السعودية إلى «ما يقارب 1 تريليون دولار» أي ألف مليار دولار أمريكي؛ وهو ما شدد ترامب عليه مؤكداً بقوله: «سوف يفعلون ذلك لأننا كنا جيدين جداً معهم».
ويشير البنك الدولي بأن الناتج القومي الكلي للسعودية بلغ حوالي 1067 مليار دولار في العام 2023، وأن ذلك الناتج قد ارتفع في العام 2024 بنسبة 1.3% في العام 2024 المنصرم بحسب تقرير لوكالة رويترز للأنباء، مما يرفع الناتج القومي المحلي الكلياني للسعودية خلال السنة الأخيرة ليكون 1080 مليار دولار أمريكي، وهو حاصل كل الثروة التي أنتجتها كل الأرض السعودية وكل البشر الذين يعملون بها خلال عام كامل.
وتشير وكالة CEIC للإحصاءات الاقتصادية الدولية بأن إجمالي الدين الحكومي للدولة السعودية بلغ 319.7 مليار دولار في الشهر الأخير من العام 2024، بزيادة قدرها حوالي 39 مليار دولار عن إجمالي الدين الحكومي السعودي في العام السابق أي 2023.
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن المصادر الحكومية السعودية فإن عجز ميزان المدفوعات في الميزانية السعودية الرسمية سوف يصل إلى حوالي 27 مليار دولار خلال العام 2025. وهو ما يحتمل أن يتفاقم في حدته في حال استمرار استجابة الحكومة السعودية لطلبات دونالد ترامب الأخيرة للمملكة العربية السعودية وشركائها في أوبك المشخصة بقوله «عليكم تخفيضه» في إشارة إلى سعر برميل النفط في السوق العالمية، وهو ما انعكس في انخفاض في سعر النفط الخام وارتفاع في أسهم الشركات الأمريكية مباشرة بعد طلب ترامب الصريح والواضح، وهو ما وثقته شبكة NBC News الأمريكية في تقريرها المشار إليه في مطلع حديثنا.
وإذا نظرنا إلى تقرير منظمة ESCWA التابعة للأمم المتحدة عن معدلات الفقر في دول مجلس التعاون الخليجي الصادر في شهر مايو 2023، فإنه بالتأكيد سوف يلفت نظرنا أن معدل الفقر في السعودية هو 13.6% من عدد المواطنين السعوديين، وهو ما يعني بحسب المنظمة الأممية أن واحداً من كل سبعة سعوديين يعيش تحت خط الفقر.
وإذا عدنا إلى الوراء قليلاً إلى أبريل من العام 2016 حينما كان يلوح سيف تشريع كان يعتزم إصداره إبان رئاسة أوباما للولايات المتحدة يمنح الحق للمواطنين الأمريكيين ممن يصنفون على أنهم ضحايا لما حدث في الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001 لمقاضاة الحكومة السعودية، والحصول على تعويضات مباشرة منها، وهو ما ردت عليه السعودية بتهديدها ببيع استثماراتها في الديون السيادية للولايات المتحدة، والتي كانت تمثل جزءاً محورياً من احتياطيات البنك المركزي السعودي بالعملات الصعبة، والتي كانت تقدر آنذاك في العام 2016 بحوالي 584 مليار دولار بحسب تقرير استقصائي نشرته شبكة CNN الإخبارية في 19 أبريل من العام 2016. ولكن النتيجة الختامية لذلك التهديد هو أن الجبل لم يتمخض إلا عن فأر قزم، وأن التهديد كان «تهديداً فشوشاً»، حيث لم تتمكن المملكة العربية السعودية من بيع تلك الأصول الاستثمارية كما هددت لأن ذلك كان يعني بشكل آلي هبوط قيمة استثماراتها جراء بيع حجوم كبيرة منها في وقت قصير، وهو ما كان يعني فعلياً عدم تمكنها من التصرف بها إلا في حدود هوامش ضيقة جداً، مدلولها الواضح الصريح هو أن تلك الثروات ثروات محصورة في خزائن العم سام، وأنها استثمارات لا يمكن التصرف بها في الواقع العياني المشخص، وأن الخيار الوحيد الواقعي هو تركها في مكانها كأي استثمارات مالية في الأسواق المالية، لا بد أن تتآكل قيمتها الشرائية تدريجياً بحسب معدلات التضخم، وأن الأمل الوحيد هو أن تغطي الفوائد المحصودة من تلك الاستثمارات قيمة الخسارة الناجمة عن تآكلها بفعل التضخم، والذي كان على المستوى الكوني حوالي 8.7% في العام 2022، و6.8% في العام 2023، و5.2% في العام 2024 بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي International Monetary Fund (IMF) وهو ما مجموعه تضخم بقيمة 20.7% خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة فقط، والذي هو بالتأكيد أعلى بكثير من معدلات الفائدة على سندات الخزينة الأمريكية الطويلة الأمد والتي تمتد على عشر سنوات أو أكثر، والتي تقارب في اللحظة الراهنة حوالي 2.25% في شهر فبراير من العام 2025 وهو معدل الفائدة السنوية الذي سوف يحصل عليه كل المستثمرين في سندات الخزينة الأمريكية، ومن ضمنهم بالتأكيد الحكومة السعودية على استثماراتها القديمة والموجودة منذ عقود طويلة محصورة في تلك السندات، وعلى استثماراتها المستقبلية في تلك السندات، والتي لا بد أن تكون جزءاً جوهرياً ومحورياً مما وعد به ولي العهد السعودي من استثمارات خلال المستقبل القريب في الولايات المتحدة سواء كانت حسب الوعد الأميري السالف الذكر بقيمة 600 مليار دولار، أو ارتفعت «بعملية تقريب بسيطة» بحسب طلب ترامب الصريح الذي لا مواربة فيه لتصبح بقيمة تريليون دولار أمريكي، أي ألف مليار دولار أمريكي.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار واقع العجز في ميزان المدفوعات الذي تعاني منه الحكومة السعودية كما أشرنا إليه آنفاً، فإنه من غير المتوقع أن تكون الحكومة السعودية مصدر أي استثمارات سوف تقوم بها المملكة العربية السعودية في الولايات المتحدة، خاصة في ضوء عجز ميزانيتها الذي لا يعتقد إلا تفاقمه خاصة في ضوء طلب ترامب بتخفيض سعر النفط كما عرجنا عليه في مطلع حديثنا. وفي هذه الحالة فإنه لا يبقى من مصدر شبه وحيد لتمويل الاستثمارات التي وعد بها ولي العهد السعودي ألا وهو صندوق الثروة السيادية السعودية، وهو حصالة الدولة السعودية لاستثماراتها الاستراتيجية في داخل المملكة وخارجها، والذي يمتلك سيولة وممتلكات تصل قيمتها الإجمالية إلى 930 مليار دولار بحسب تقرير لصحيفة Financial Times في 29 أكتوبر من العام 2024، وهو الصندوق الذي يتم فيه مراكمة كل فوائض عوائد النفط التي تحصل عليها المملكة من أجل استثمارها في استثمارات استراتيجية كان الصندوق يهدف إلى الإبقاء على 80% من تلك الاستثمارات في داخل المملكة العربية السعودية، وبحيث تذهب الـ 20% الباقية في استثمارات خارج المملكة على امتداد الخارطة الكونية.
ولكن بحسبة بسيطة لا تحتاج أي خبرة في العلوم الاقتصادية، وإنما فقط معرفة بسيطة بأوليات الجمع والطرح، فإن مطالبة ترامب «بتقريب» ما وعد به ولي العهد السعودي من استثمارات في الولايات المتحدة خلال فترة رئاسة ترامب من 600 مليار دولار إلى 1000 مليار دولار لا بد أن يعني عملياً تحويل كل مدخرات وثروات صندوق الثروة السيادية السعودي بقيمتها الكلية الراهنة البالغة 930 مليار دولار إلى استثمارات في الولايات المتحدة يرجح أن يذهب معظمها لاستثمارات في أسهم الشركات العابرة للقارات وسندات الخزينة الأمريكية، لتصبح ثروات محصورة Stranded Assets لا يمكن التصرف بها لاحقاً إلا وفق قوانين سوق الاستثمارات في الأسهم والسندات الأمريكية كما كان حال الاستثمارات السعودية السابقة من قبلها، وعرجنا على حكايتها الحزينة في العام 2016.
وهنا لا بد من تساؤل لا بد منه عما يمكن أن تجلبه تلك الاستثمارات على شكل منفعة حقيقية ملموسة، وعوائد ربحية حقيقية على شكل تنمية حقيقية، وزيادة في مستوى حيوات المواطنين السعوديين، إذا تم استثمار تلك الثروات الوطنية الهائلة في الأرض السعودية نفسها، وكم من المفقرين من أبناء الشعب السعودي يمكن أن تنتشلهم من براثن الفقر التي تنهش في جسد واحد من كل سبعة منهم بحسب إحصائيات الأمم المتحدة التي أشرنا إليها قبل قليل. وكيف يمكن أن تغير تلك الثروات المهولة من واقع حياة أبناء عمومة السعوديين المباشرين في شبه الجزيرة العربية نفسها في اليمن المكلوم المدنف، أو أبعد قليلاً إلى العراق المضنى، أو فلسطين الذبيحة، أو سورية المقروحة أو مصر المحسورة، أو السودان المفجوع، أو غيرها من حياض العمق التاريخي والاستراتيجي والفكري والمجتمعي لأرض و شعب نجد و الحجاز التي لا يمكن لنماذج الدول المصطنعة على قد مصالح المستعمرين القدماء الذين لم يرحلوا إلا شكلياً عن المنطقة العربية، أن تغير من تلك الثوابت البسيطة والمنطقية والمتجذرة في عمق تاريخ و تراث المنطقة العربية لمن لا زال يتذكره، ولم يتسرب من ثقوب ذاكرته، وأصبح يعتقد أن الحدود بين الدول العربية هي من حقائق وطبائع التأريخ الأزلية.
وإذا استعدنا إلى ذاكرتنا ما أشارت إليه صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر في 8 سبتمبر من العام 1992 إلى أن كلفة حرب الخليج الأولى على الدول العربية وصلت آنذاك إلى 620 مليار دولار، وهي قيمة تعني بعد تعديل قوتها الشرائية عبر أي معالج لحساب التضخم المالي التراكمي الذي كان بين العام 1991 والعام 2025 بحوالي 130% حوالي 1540 مليار دولار في وقتنا الراهن. وهي قيمة لا بد من إضافتها إلى تكلفة حرب الخليج الثانية منذ العام 2003 والتي قدر تكلفتها معهد واطسون للشؤون العامة والدولية Waston Institute for International and Public Affairs ، وقسم دراسات كلفة الحروب فيه، بأنها قاربت حوالي 2.9 تريليون دولار، وفي ورشة بحثية تمت في 8 أبريل من العام 2008 في مؤسسة كارنيجي للسلم الدولي بإشراف Joseph Stiglitz الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد وجاءت خلاصتها بأن كلفة الحرب على العراق هي 3 تريليون دولار، قد لا يكون من الإفراط تخيل أن الرهط الأكبر منها تم سداده من قبل دول مجلس التعاون الخليجي كما كان في حال حرب الخليج الأولى في العام 1991.
وخلاصة القول أليس من الحق الطبيعي والمنطق التساؤل عن أحقية أبناء الخليج العربي أساساً ومن بعدهم الأقربون منهم دماً وتاريخاً وتراثاً وثقافة ومكاناً بثروات أرض شبه جزيرة العرب بدل أن تذهب إلى خزائن العم سام، وتضيع كما ضاع من قبلها جل ما راكمه العرب من ثروات كما كان في حكاية حربي الخليج الأولى والثانية وما كان على شاكلتها المأساوية والتي يحفل بتلاوينها التاريخ العربي المعاصر المشين المخزي الفجيع الحزين.
