هل الثورات غُسْلٌ يطهر ذنوب المجرمين من قبلها؟

 

في الواقع العياني المشخص كما هو في الحالة السورية الراهنة تعتمل بضع رؤى تكاد تكون متناقضة فيما بينها بخصوص كيفية التعامل مع المجرمين من زبانية نظام الأسدين الأب والابن الذين أوغلوا في التنكيل ومص دم أبناء الشعب السوري المظلوم المقهور عن امتداد خمسة عقود ونيف.

وقد يكون على رأس تلك الطروحات أطروحة «تبويس الشوارب» و«عفى الله عما مضى» السائدة أكثر بين أبناء العاصمة دمشق الذين لم يشاركوا فعلياً بأي شكل كان في صيرورة الثورة السورية، ولم ينتفضوا بأي فعل يذكر منذ بواكير الثورة السورية في العام 2011، مفضلين الحفاظ على تجارتهم وبيوتهم، متكئين على النهج «الشامي العتيد» في «أن اليد التي لا تستطيع كسرها لا بد أن تُقبَّلها وتدعو عليها بالكسر».

والأطروحة الثانية تستند إلى أن الكثيرين ممن ساروا في ركب النظام السوري، وعملوا كأزلام، وزبانية، ومطبلين، ومسوقين، كانوا مضطرين لذلك، حيث أنه لا سبيل سوى ذلك للبقاء على قيد الحياة في ظل نظام أمني فاسد متجبر، وأن سلوكهم الذي قد ينظر إليه الآن بأنه انتهازي وصولي متسلق، كان سلوكاً تكيفياً لا بد منه، خاصة لأولئك الذين لم يعملوا بشكل مباشر في سحق وتقتيل أبناء الشعب السوري المنتفضين على نظام الأسد منذ العام 2011، وقبله.

وتطالب تلك النماذج من بيادق النظام السوري، ومثالها، العديد من المنافقين الذين انضووا في عديد «جحافل ومناضلي ورفاق» حزب البعث البائد، وخاصة في المراتب العليا منه، بأن يصفح عن ماضيهم الأسود، واعتبار انتصار الثورة السوري المرحلي، وانقلابهم بين عشية وضحاها من المنافحين المتزمتين عن نظام الأسد وفنون طغيانه، إلى ثوريين مبشرين بفضائل الثورة، ومتصدرين لأرتال المنتظرين قطاف ثمار الثورة والاستفادة من مكتسباتها، عبر إعادة إنتاج أنفسهم من جديد، واستخدام خبراتهم العتيدة في التبرير وتحليل الحرام والتزويق والمداهنة والرياء والنفاق الفكري والسلوكي، ليصبحوا مدافعين مقدامين عن النظام الثوري الجديد، ويعودوا إلى مواقعهم القديمة، مع تغيير فقط في منطوق كلامهم والشعارات التي يتم استخدامها في سياقه دون تبديل في منطقه الوصولي الانتهازي، الذي لا يبصر من مصلحة سوى مصالحهم الانتهازية الضيقة في الحفاظ على وجودهم الاستسزلامي النفاقي المتسلق والوصولي في آن معاً.

والأطروحة الثالثة ترى في أن مجرمي النظام البائد محصورون فقط في أولئك الذين قاموا بقتل أبناء السوري سواء في المعتقلات والسجون وأقبية التعذيب، أو بالرصاص والحديد والنار والبراميل المتفجرة وما كان على شاكلتها؛ وهو ما يفتح الباب على مسألة التأويل من هو القاتل الفعلي؟!، ومن هو «عبد المأمور»؟! الذي كان ينفذ الأوامر التي عدم تنفيذها كان يعني التحول إلى المقلب الآخر، من «المندسين وأعداء الوطن» الذين لا بد من تخليص الوطن من شرورهم وحيواتهم؛ وهو يفتح الباب أيضاً على مسألة أخرى تتعلق بأولئك المجرمين القتلة من كوادر نظام الأسد الأب، والابن من بعده، الذين أشبعوا أبناء الشعب تنكيلاً وتعذيباً وتقتيلاً وسلباً وفساداً وإفساداً حتى تلمسهم إمكانية ذواء نظام الأسد مع صعود الثورة السورية في العام 2011، ومقامرتهم بأن سقوط ذاك النظام أصبح وشيكاً كما حل بأنظمة الطغاة العرب الآخرين كما هو الحال في أنظمة القذافي، وزين العابدين بن علي، وحسني مبارك، فقرروا ترك سفينة الأسد التي اعتقدوا أن سقوطها وشيك، وهو ما كان فعلياً قاب قوسين أو أدنى لولا تدخل إيران وعصاباتها ومليشياتها الطائفية على الأرض السورية يعضدها سلاح الجو الاستعماري الروسي من السماء السورية. وفي تلك المجموعة الأخيرة الكثير من الشخصيات التي برزت وتصعدت في التكتلات والأحلاف والائتلافات التي بزغت في سياق الثورة السورية، و تم ويتم تسويق أسماء الكثير منهم سابقاً وراهناً كما لو أنهم من رموز الثورة السورية، الذين لا بد من تصدرهم لقيادة المرحلة الجديدة، دون الالتفات إلى تاريخهم الأسود السابق لقفزهم من ركب الطاغية الأسد وسفينته الغارقة، هذا عدا عن ولاءاتهم وزئبقيتهم ولعبهم على أوتار الولاءات للمصالح الخارجية التي تمولهم وتسوقهم وتلمعهم راهناً، علهم يصبحون بيادق لمصلحة رعاتهم الراهنين في نسيج سورية ما بعد اندثار الأسد، وهو ما يتقنون فعله بدقة جراء خبراتهم الانتهازية الوصولية التي راكموها تاريخياً إبان انخراطهم في عديد أزلام نظام القتل والتعذيب والفساد والإفساد الأسدي من قبل.

تلك رؤىً ثلاثة تتعلق بمسألة محاسبة من أجرموا بحق أبناء الشعب السوري على امتداد العقود الخمسة الكالحة من عمره، ولا بد لأبناء الشعب السوري من الالتفات إليها والتفكر بها، وإيجاد حلول مبتكرة لمقاربتها بشكل عملي واقعي منصف وشامل في آن معاً، إذ أن إهمالها أو التعامي عن جوهريتها، أو حتى التسرع في مقاربتها قد يفتح أبواب جهنم في المخاض السوري الثوري الراهن، وينقل سورية إلى مهاوٍ معقدة أخطرها عودة النظام البائد بآلية عمله وفساده وإفساده بحلة تزويقية جديدة تعيد إنتاجها نفس الأيادي الآثمة المخضرمة في فنون دولة الأسد الأمنية، و سجنها الكبير الذي كان يدعى الوطن السوري.