
سوف نحاول اليوم الإجابة عن سؤال يطرح نفسه بشكل متكرر في سياق اهتراء وتقرح الحالة العربية راهناً في غير موضع من جغرافيا الناطقين بلسان الضاد، ومفاد ذلك السؤال كما يلي:
هل يمكن للإنسان أن يستعيض عن شعوره بامتلاكه حرية التفكير والتعبير عن رأيه ومتعقداته بالبحبوحة الاقتصادية للمجتمع الذي يعيش فيه والقائم على سيطرة الدولة الأمنية ومنظوماتها القمعية التي ترى بأن التنفع من مكتسبات مجتمعات الوفرة يمثل الحق الأسمى للمواطن الذي سؤاله عن أي موضوعة تتجاوز ذلك تنقله إلى حيز «المغضوب عليهم» و«الضالين» الذين لا جزاء لهم سوى «بالويل والثبور وعظائم الأمور» إذا استخدمنا اللغة البلاغية، أو التهشيم والتذرية والتعذيب والاعتقال والتخوين إذا استخدمنا المصطلحات الواقعية المتطابقة مع آليات عمل الدول الأمنية العربية على اختلاف تزويقاتها ومظاهر تقديم نفسها التي تتبعها كل منها في المجتمع الذي تتغول عليه؟
وإجابة على هذا السؤال المُلّح لا بد من الانطلاق من مُسلَّمة موضوعية تتعلق بالحق المطلق لكل إنسان عاقل في اختيار ما يناسبه من خيارات في حياته سواءً كان ذلك بقبول المعادلة نص التساؤل السالف الذكر أو رفضها؛ أي بمعنى آخر، لا يمكن لأي كان تقديم إجابة جامعة مانعة فيما يتعلق بما هو الصائب وما هو الخاطئ حينما يتعلق الموضوع باختيارات البشر سواء اتفقنا معها جزئياً أو كلياً، أو حتى وصلنا إلى درجة الاختلاف والتنافر المطلق معها.
ولكي نتجنب إجابة تمثل رأياً شخصياً لا يمتلك أي صوابية تتجاوز حدود الحق الشخصي في تبني الرؤى والأفكار التي تمثل الخيار الأكثر منطقية أو حتى نفعية لصاحبها، لا بد من محاولة الاتكاء على ما يشير إليه علم وظائف الدماغ البشري، والعقل البشري بصفته ناتج عمل الدماغ البشري تفكيراً وتفاعلاً مع المحيط الاجتماعي والحيوي.
وهنا في هذا السياق لا بد من الانطلاق على ما اتفق عليه معظم علماء وظائف العقل البشري عن تراتيبة احتياجات بني البشر، والتي أجملها العالم Abraham Maslow في الرتب التالية:
أولاً: الاحتياجات البيولوجية الفيزيولوجية التي دونها يستحيل البقاء على قيد الحياة، وتتمثل في احتياجات المأكل، والمشرب، والمأوى، واللباس، والنوم، والمسكن الملائم، والحاجات البيولوجية لتكاثر بني البشر وإنجاب ذرية من بعدهم، وضمان عدم اندثار مورثاتهم من وجه البسيطة.
ثانياً: حاجات الأمان الجسدي والمعنوي، وتتمثل في حاجة بني البشر ليعيشوا باستقرار وأمان دون خوف مستمر على سلامتهم وحيواتهم وحيوات عوائلهم وأبنائهم.
ثالثاً: حاجات الشعور بالانتماء وتواصل الإنسان مع أقرانه في المجتمع، والشعور بأنه جزء فاعل من المجتمع الذي يشعر بأنه جزء منه، وأنه غير منبوذ من نسيجه أو غير قابل للتفاعل مع الشبكة الاجتماعية التي تشكل عرى حياته اليومية.
رابعاً: حاجات الشعور باحترام الذات، والتي تتمحور حول تمكن الفرد من تحقيق شعور صادق باحترام الفرد لذاته المستقلة، بالتوازي مع تحقيقه لسمعة طيبة محمودة بين أقرانه، وأعلى مكانة وتثمين يمكن الوصول إليه في عيون من حوله.
خامساً: الحاجة لتحقيق الذات، وهي الرتبة الأعلى فوق الدرجات الأولية السالفة، وتتلخص في حاجة بني البشر لتحقيق ما يعتقدون بأنهم قادرون على تحقيقه في الحياة بشكل يتسق مع رسم هدف عام ومعنى من وجود الإنسان ككائن بيولوجي قادر على الاجتهاد والعمل لتحقيق ما يصبو إليه سواء كان ذلك ملموساً أو معنوياً محسوساً.
وبالنظر إلى حالة مقايضة حرية التعبير والتفكير بالرفاهية الاقتصادية بمنظار التراتبية السالفة الذكر لحاجات بني البشر تبزغ ثلاث نقاط جوهرية لا بد من الالتفات إليها؛ الأولى هي أن قمع حرية التعبير والتفكير، وتطبيق نهج «بلع اللسان»، والحديث فقط بالأمور الهامشية من قبيل البرامج الرياضية، وأخبار الفنانين والمشاهير، وما يجري على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، لا بد أن يؤدي بمن يتبعه إلى التنحي عن إمكانية تحقيق الهدفين الرابع والخامس في سلم تراتبية احتياجات بني البشر السالف الذكر، حيث أنه سوف يصعب عليه إدراك احترام الذات أو تحقيقها بشكل حقيقي، إذ أنه يدرك من خلال العمل المضمر للشبكات العصبية في جزء الدماغ الذي يقع في القشرة الدماغية ما قبل الجبهية بأنه يتصرف بغير ما يبطن، وأنه يمارس جهداً فاعلاً لكي يتجنب الإجهار بما يعتمل نقدياً في عقله، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تلك الرقابة الصارمة على الذات لعدم التفكر والاستبصار في أي ما يتعلق أو يقترب من مواضيع حرية التفكير والتعبير عن لا بد أن تكون عائقاً في وجه الهدف الأعلى في سلم تراتبية احتياجات بني البشر، ألا وهو تحقيق الذات، حيث أن الدماغ في تلك الحالة يفرض جهداً بيولوجياً مستمراً لكبح و لجم ميوله وقدراته الفطرية، وعدم إفساح المجال لها لتكشف قدراتها في التحليل والتفكير واستنباط ما قد يبدو الخيار الأكثر صواباً وانسجاماً مع وعي الفرد ككل.
والنقطة الثانية تتمثل في أن ممارسة عملية الضبط والرقابة على الذات، لعدم تجاوز الخطوط الحمراء، والحديث أو التفكر بما قد يثير حفيظة «العسس والبصاصين» تقتضي تفعيل جزء في الدماغ يدعى القشرة الحجاجية الجبهية Orbitofrontal Cortex بشكل مستمر، حيث أنها مسؤولة عن اتخاذ القرارات دماغياً عبر ترشيح و تصفية ما يدور من أفكار في خَلَد الفرد، والسماح للجزء الملائم مما يعتمل منها في عقله بالخروج والتعبير عن مضمونها بشكل ملموس سواء عبر الكلام أو السلوك. وممارسة الضبط المستمر خوفاً من الانزياح عن الخطوط المرسومة مسبقاً لحدود التفكير والتعبير في المجتمعات القمعية، ينتج عنه إنهاك لقدرات ذلك الجزء من الدماغ أي القشرة الحجاجية الجبهية، جراء الإفراط في استخدامها بشكل يكاد يكون مستمراً نتيجة «للرهاب من زلات اللسان»، ومن واقع أن «للجدران آذان»، وهو ما يترتب عنه صعوبات في اتخاذ القرارات الأخرى في الحياة اليومية، وسرعة في الهياج والغضب لأسباب قد تكون تافهة في بعض الأحيان، ويؤدي من ناحية أخرى إلى ارتفاع في مستويات هرمونات الشدة النفسية بدرجات طفيفة، وأعني هنا هرمونات الأدرنالين، والنور أدرينالين، والكورتيزول بدرجة أكبر من الأخيرين، وهو ما يترتب عنه زيادة ملحوظة في مخاطر الإصابة بالداء السكري، وارتفاع ضغط الدم، والسكتات الدماغية، والأمراض القلبية عموماً.
والنقطة الثالثة والأخيرة الواجب الإشارة إليها تتعلق بأن قمع استخدام القدرات الفائقة للدماغ للتفكير النقدي والتعبير عن الأفكار بشكل حر وعقلاني يؤدي بشكل تشريحي إلى ضمور في البنى الدماغية المسؤولة عن التفكير والتعبير نظراً لعدم استخدامها، وخاصة في مناطق قشرة الفص الجبهي والجداري في الدماغ وفق القاعدة الفيزيولوجية التي لا تغاير فيها، ومفادها بأن الجزء الذي لا يشتغل من الدماغ يضمر وتتضاءل قدراته مع الزمن حتى يصبح التآكل و التراجع بعد فترة من الزمن دائماً وغير عكوسٍ عبر محاولة إعادة تنشيط تلك الأجزاء الدماغية بعد إهمال استخدامها لفترات طويلة، وهو ما قد يؤدي في المآل الأخير إلى تدني في القدرات التفكيرية والتحليلية والنقدية، ويفضي إلى شكل من السطحية في إمكانيات التحليل العقلي، ويؤهب بالتالي لزيادة مخاطر الإصابة المبكرة بأمراض العته الدماغي أو الخرف جراء عدم وجود احتياطي من الخلايا الدماغية النشيطة والفاعلة والقادرة على التكيف والتعويض عن التنكس والضمور الناجم بشكل طبيعي عند تقدم الإنسان العمر، و ما يؤدي إليه من تناقص في عدد الخلايا الدماغية القادرة على العمل بشكل كفء لتلبية الاحتياجات الحياتية اليومية والعقلية الإبداعية التي يحتاجها الفرد ليحيا حياة طبيعية متوازنة.
وفي الختام لا بد من الإشارة إلى ضرورة احترام خيار أي إنسان في حياته سواء بالخضوع أو الرضوخ إلى معادلة استبدال حرية التفكير والتعبير بالرفاهية الاقتصادية، أو عدم القبول بذلك من أجل أن يبقى قادراً على احترام ذاته والسماح لقدراته الذاتية والعقلية بالتفتح بشكل يسمح له بإدراك معنى حقيقي من وجوده العابر على سطح البسيطة، بالتوازي مع حماية عقله من مخاطر تقهقر قدرات التركيز الفكري، وسرعة الهياج، و النزق المضمر، وما تفضي إليه من طيف أعراض القلق المزمن وما يرافق ذلك من أمراض بدنية كالداء السكري، و ارتفاع ضغط الدم، و السكتات القلبية و الدماغية، بالإضافة لحماية الأجزاء المسؤولة في دماغه عن التفكير والمنطقة والتحليل من الضمور والتقهقر جراء عدم استخدامها المزمن، وهو ما يؤهب لأمراض العته والخرف، والسطحية الفكرية وتدني القدرات العقلية.
أتمنى أن أكون قد وفقت في تقديم ما هو مفيد لكم، وعلى أمل اللقاء بكم في المستقبل القريب، لكم مني دائماً أطيب المنى وأرهفها، ودمتم بكل صحة وخير وراحة بال.
