
سوف نحاول اليوم الإجابة على سؤال مُلِّح حول أسباب الشعور الشامل على المستوى الكوني، وبأشكال وإخراجات مختلفة، بانعدام الآفاق والعدمية وانغلاق السُبل المؤدية إلى تغيير حقيقي وإيجابي في حياة البشر.
وعلى هذا السؤال الجوهري والمحوري يمكن أن نورد بعض الملاحظات الأساسية لمحاولة فهم تلك الظاهرة؛
أولاً: منذ بواكير الحقبة الليبرالية المستحدثة في الولايات المتحدة وبريطانيا مع تصعد رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر في مطلع ثمانينات القرن المنصرم، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كان هناك تغير في آلية توزيع الثروة على المستوى الكوني، بحيث كان هناك ركود أو حتى تناقص في مستوى دخول البشر الاعتياديين من الطبقة العاملة، بعد تعديلها آخذين بعين الاعتبار معدلات التضخم، على الرغم من زيادة معدل الإنتاجية على المستوى الكوني، وهو ما عنى فعلياً تركز الثروة في أيادي حفنة صغيرة من الأثرياء من أصحاب رؤوس الأموال بحيث وصل العالم حسب تقرير منظمة Oxfam الأخير في شهر يناير من العام 2025 إلى أن 1% من الأثرياء أصحاب المليارات على المستوى الكوني يملكون 45% من الثروة في الكرة الأرضية، بينما 44% من أبناء المعمورة أي ما يعادل 3,6 مليار نسمة يعيشون تحت خط الفقر.
وذلك الركود في مستوى الدخل أو حتى تناقصه لرهط كبير من أبناء المعمورة على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة على وجه الخصوص لا بد أن يقودنا إلى الملاحظة الثانية، والمتعلقة بتصعد النمط الاستهلاكي وفق الصيغة الليبرالية المستحدثة، والتي ترى بأن الاستهلاك هو سدرة المنتهى لكل أبناء الجنس البشري، وأن حرية الإنسان يمكن اختزالها في حريته في شراء ما يشتهي ويريد في فضاء السوق المفتوح على أعنته، و الذي لا شيء فيه غير قابل للبيع أو الشراء أو التفاوض عليه حتى لو كان ذلك البشر بعينهم سواء كان ذلك مجازياً أو بشكل ملموس عبر تسليع أجساد البشر وخاصة الإناث منهم في تجارة وصلت قيمتها السوقية إلى 182 مليار دولار في العام المنصرم، ويتوقع وصولها إلى 275 مليار دولار في العام 2032.
ومآل الملاحظتين الأولى والثانية تمثل في الواقع العياني المشخص بركود أو تناقص الدخول الفعلية لأفراد الطبقة العاملة، وفيضان في ما لا بد من اقتنائه واستهلاكه سواء كان ذلك سيارة، أو هاتفاً جوالاً أو نمط حياة معينة، أو أسفاراً للسياحة، أو لباساً من مصمم أو علامة تجارية بعينها، وما كان على شاكلة ذلك، في اتساق مع شعار رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر بأن «لا هناك أي شيء يدعى مجتمعاً بل هناك فقط أفراد أحرار» في استهلاك ما يرغبون استهلاكه في اقتصاد السوق الحر، و هو واقع أدى لخلطة مؤوفة على المستوى المجتمعي بنيانها قائم على ضيقٍ مترق في الدخول المادية و القدرات الشرائية للرهط الأعظم من الفئات المجتمعية، ورغبات لا محدودة للتماشي مع ما هو متاح و منشود في فضاء المجتمع الاستهلاكي، وذلك وصفة مباشرة لاضطرابات القلق وما قد يليها بعد إزمانها من اضطرابات اكتئابية أصبحت تؤثر بحسب منظمة الصحة العالمية على ما لا يقل عن 10% كل أبناء المعمورة شيباً وشباباً، وفي بعض الدراسات التجميعية الشاملة Meta-Analysis التي تعتمد على جمع البيانات من عدد كبير من الأبحاث للحصول على عينة بحثية عملاقة، وإعادة تحليلها إحصائياً، وصلت تلك النسب في حقبة ما بعد جائحة فيروس الكورونا إلى حوالي 33% بالنسبة لاضطرابات القلق، وحوالي 32% بالنسبة لاضطرابات الاكتئاب على المستوى الكوني، وهي حالياً في المملكة المتحدة كمثال عن الدول المتقدمة التي الظروف فيها أفضل بكثير من الظروف عموماً في مجتمعات دول الجنوب المنهوبة، بحسب إحصائيات العام 2014 تقف عند حوالي 17% لعموم الاضطرابات العقلية، وأكثرها شيوعاً الاكتئاب والقلق بالنسبة للبالغين فوق 16 سنة، وبحسب إحصائيات العام 2024 حوالي 20% بالنسبة للأطفال بين عمر 8 و16 سنة. أي أن واحداً من كل خمسة أطفال راهناً في المملكة المتحدة غير سوي عقلياً لأسباب تحتاج وقفة مطولة لأجل تحليلها.
والنقطة الثالثة التي ترتبط مع الملاحظتين الأولى والثانية بشكل عضوي و تفصح عن نفسها في واقع تهشيم المجتمعات وتذريتها وتحويل كل فرد إلى جزيرة معزولة وسيلته الأنجع للتواصل مع من حوله تتمحور حول وسائل التواصل الاجتماعي، والتي في جوهرها مصممة من أجل استنزاف الوقت، وإبقاء المتلقي مشدوداً إلى منصاتها، وبالتالي إنهاك القدرات الدماغية المحدودة لدى بني البشر، واستنزاف إمكانيات القشرة الدماغية ما قبل الجبهية المسؤولة عن قدرات التحليل والمنطقة والتفكير العقلاني في محاولة فرز الغث من السمين في بحر ما يتم إلقاؤه في فضاء منصات التواصل الاجتماعي، ليقع بني البشر في شرك مهول يتمحور حول أن مقارنة واقع حياة أي فرد مع نماذج الحيوات المنمقة والمحورة ببرامج التصوير و التحوير و الترشيح البصري المتخصصة، وخاصة أولئك الذين يبدون ثراءً فاحشاً من المشاهير لا بد أن يفضي إلى حالة من اليأس والقنوط لعدم القدرة على إدراك مثل ذلك النمط من الحياة المتألقة، وعدم قدرة الدماغ العاقل على تفكيك عوار وخطأ وعدم صوابية تلك المقارنة، وعدم منطقيتها، وعدم وجود أي فائدة عملية منها في حياة الفرد، بعد أن تم استنزاف ونزح كل قدراته العقلية في تصفح صفحات وسائل التواصل الاجتماعي التي لا ينضب محتواها المصمم بطريقة خبيثة تستغل الميولات الفطرية لبني البشر في الاطلاع على ما هو جديد والتعلم منه لتصبح مدخلاً لزيادة معاناة بني البشر من الاكتئاب والقلق بدرجات مهولة بين البالغين والأطفال على حد سواء كما أشرنا إليه آنفاً.
ويمكن الإضافة لما سبق نقطة رابعة تتعلق بغياب الحامل الاجتماعي للإرادة الجمعية لما قد يستقيم تسميته الطبقات العاملة ممثلاً بالنقابات والعمل النقابي الحر، لأسباب متعددة تتعلق بطبيعة كل مجتمع وسيرورة تشكله التاريخية. فعلى سبيل المثال، في دول الشمال الغني ثم تهشيم النقابات وقدرتها التأثيرية في حقبة الليبرالية المستحدثة المشار إليها آنفاً بوسائل متعددة من أهمها تشريع قوانين تحد من فعالية السلاح الأقصى لدى الطبقة العاملة ممثلاً بإضراب العمال عن العمل حتى إذعان رب العمل للتفاوض معهم وتحقيق جزء أو كل مطالبهم، إذ أصبح من الممكن اللجوء إلى القضاء لمنع العمال من الإضراب بقوة القانون، بالإضافة إلى وضع تشريعات تسمح لأرباب العمل بالفصل التعسفي لمن يشاركون في الإضراب، واستبدالهم في وقت الإضراب بعمال مؤقتين بشكل يفقد الإضراب قدرته التأثيرية بشكل شبه مطلق. وفي دول الجنوب المفقر المنهوب، فإن النظم الاستبدادية والديموقراطية الشكلية، وحتى القائمة على نهج رأسمالية الدولة بلبوس اشتراكي نفاقي كما هو في الحالة الصينية و ما كان على شاكلتها، يصعب فيها تشكيل نقابات فاعلة بأي شكل إذ أن الإفقار الاقتصادي، ونهب مجتمعات الجنوب سواء عبر منظومات الاستعمار والهيمنة الاستعمارية التي لم ترحل عن دول الجنوب إلا بشكلها الصريح، أو عبر الطبقات المحلية المتسيدة المغرقة في فسادها وإفسادها، وعملها لصالح المنظومات الاقتصادية في دول الشمال الغني وشركاته العابرة للقارات، وارتباطها العضوي بها، حيث أنها موئل و مستقر الثروات المنهوبة التي تقوم بسرقتها من قوت أبناء شعبها وتقوم بتهريبها إلى خارج الحدود الجغرافية للمجتمعات التي تتغول عليها إلى مصارف وأسهم شركات دول الشمال الثرية، أو تقوم بنزحها و تصديرها في شكل استثمارات خلبية في اقتصادات دول الشمال لا تتعدى كونها ضرائباً لا بد من دفعها إلى أسيادهم لإبقائهم في موضعهم كنواطير مكلفين بمهمة حفظ مصالح المستعمرين القدماء الذين لم يرحلوا إلا شكلياً في دول الجنوب المفقر المظلوم؛ و ذلك الواقع المزري على المستوى الكوني لم يترك لأي من أفراد الطبقة العاملة المسحوقة في مجتمعاتها أي خيار للتفكر بأي ما يتجاوز حاجته المُلِّحة لتأمين قوته وقوت من يعولهم، والحفاظ على نفسه من الاندثار جوعاً وفقراً ومرضاً، وبحيث يصبح القبول بكل الشروط المجحفة بحقه خياراً لا بد منه، والتفكر بأي عمل جمعي لتحسين شروط عمله وحقوقه وحياته عموماً رفاهية لا يمكن التفكر بها إذ أن شروط الواقع المعاش الضاغطة تفرض تأجيل ذلك، فالأولوية هي للبقاء على قيد الحياة وليس تحسين شروطها بأي شكل كان حسب ما يقتضيه واقع الحال راهناً.
وفي المآل الأخير فإن غياب الرافعة الاجتماعية للتغيير الإيجابي في أي مجتمع ممثلة بمحرك الإرادة الجمعية فيه من خلال العمل التشاركي التعاضدي سواء كان عبر النقابات أو ما كان على شاكلتها من تنظيمات، لا بد أن يفضي بشكل آلي إلى إحساس عميق لدى الفرد بالعزلة وعدم القدرة على الفعل، إذ أن المنطق البديهي يشي بأن العين لا تستطيع مقاومة المخرز، وأن اليد الواحدة لا تصفق، وأن الإنسان المعزول لوحده لا يستطيع مقاومة الظلم والعسف والاستغلال في المجتمع إن لم يكن قادراً على الكلام والتعاضد والتكاتف مع أقرانه المظلومين، وهو ما أصبح مهمة صعبة في مرحلة الليبرالية المستحدثة على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة كما أسلفنا الإشارة إليه.
ويمكن أيضاً إضافة نقطة تكميلية إجمالية أخيرة ترتبط بجل النقاط السابقة جميعها وتتعلق بتغير هيكلية الإنتاج في المجتمعات على مستوى الكوكب عموماً، وفي العالم المتقدم خصوصاً، حيث لم يعد هناك طبقة عاملة بالشكل التقليدي الذي كان معروفاً قبل مرحلة الليبيرالية المستحدثة، والتي كانت تضم عديد العمال الصناعيين المشتغلين تحت سقف واحد و هم يعملون ويكدون سوياً، بما يؤدي إلى تخليق روابط تقاربية عميقة بينهم على المستوى العقلي الإدراكي والنفسي المعنوي، حيث تقلص عديد المنخرطين في ذلك النموذج الإنتاجي التصنيعي التقليدي، إلى صالح نموذج إنتاجي عالي التخصص، يتحول فيه الإنسان إلى شكل من أشكال الآلة التي تعمل بالتوازي مع البشر الآليين/الروبوتات في نسق إنتاجي عالي الكفاءة، وخال من أدنى مساحة لتواصل العمال فيها بينهم بالأشكال التقليدية، هذا في الحيز التصنيعي، والذي لا بد أن يضاف إليه التحول العميق في نمط إنتاج الثروة على المستوى الكوني و الذي انزاح باتجاه اقتصاد رأس المال المالي، والمضاربات بالأسهم والسندات، وقطاع الخدمات الآخذ بالتعملق على حساب القطاعات الإنتاجية التصنيعية، وتصعد نماذج العمل القائمة على نموذج العمل عن بُعد من المنزل أو من دول وقارات أخرى، بحيث أصبحت الروابط بين أفراد من يمكن تصنيفهم في عداد الطبقة العاملة صعبة التكوين والتوطيد لأسباب موضوعية تتعلق بالتباعد وضعف التواصل بين أفرادها نتيجة لطبيعة عملهم راهناً.
وختاماً لا بد من الإشارة إلى أن كل الملاحظات الآنفة الذكر لا بد أن تؤدي إلى تكوين نموذج من الوعي الجمعي الذي يخيم عليه ما تم الإشارة إليه في سؤال مطلع حديثنا، وذلك واقع موضوعي ناجم عن ظروف موضوعية لا يمكن ولا يجب إنكارها أو التعامي عنها؛ ولكن ذلك لا يعني القبول بها واقعاً قائماً بقوة الأمر الواقع غير قابل للتبديل والتغيير، إذ أن التسليم الاستسلامي بذلك يخالف طبيعة بني البشر المتبناة عضوياً في عمق دارات أدمغة بني البشر، والتي ضالتها حفظ النفس من الفناء البيولوجي على مستوى الإنسان ومن يرتبط به من أقران حيويين يمثلون استطالة لبنيته المورثية، أي بمعنى أكثر اتساعاً حفظ الجنس البشري من الانقراض؛ خاصة وأن الاستسلام والتسليم بواقع العدمية وانغلاق الآفاق يعني الخروج من ساحة معركة حفظ الجنس البشري من الانقراض، وتسليم زمام الأمور إلى حفنة من الأثرياء الأقوياء، و من يخالطهم من المتطرفين الممسوسين بوهج الثروة والسلطة، والذين يقودون كوكب الأرض بشكل مفجع أليم لا تخطئه عين كل من يرفض دفن رأسه في الرمل، إلى مآلات كارثية تتمثل في احتمال تآكل فرص استمرار بني البشر في نمط حياتهم المدني راهناً، والتي يهددها بشكل عميق وضاغط الخطر الداهم المركب الذي يمثله تصعد الأثرياء والمتطرفين والمتسلطين إلى سُدة الحكم في جل أرجاء المعمورة مشخصاً في مفاعيل هيمنتهم الشاملة عمقاً و سطحاً على المستوى الكوني، وبالخاصة منها التقهقر البيئي المتسارع المهول، وخطر إفناء كوكب الأرض بالأسلحة النووية وما قد يعقبها من شتاء نووي يفني الزرع والضرع في كل أصقاعه، ورعب تآكل كل البنى الديموقراطية والفكرية التي تمثل الأدوات الأساسية لدفاع بني البشر عن حقهم الطبيعي في حياة كريمة وطبيعية لهم ولذريتهم ولمن سوف يخلفهم من بعدهم على وجه البسيطة بعد انصراف حضورهم المؤقت على سطحها.
