المسألة الكردية في سياق المخاض السوري الثوري راهناً

 

مخاض الثورة السورية لا يزال مستمراً منذ العام 2011، وهو في منعطف بالغ الخطورة راهناً، ولا يمكن التيقن من مآلاته المستقبلية. وكل الأفرقاء والأصدقاء والجيران التاريخيون وخاصة جيران السوء يتربصون بها شراً، كما دأبوا على ذلك منذ بواكيرها، محاولين حرفها عن مسارها الوطني لخدمة أبناء الوطن لتصب بدلاً من ذلك في مسارب مصالحهم وأوراقهم التفاوضية.

الأكراد في سورية أبناء المنطقة منذ الألف الثالث قبل الميلاد في مملكة الحوريين، وما تلاها في مملكة ميتاني في الألف الثالث قبل الميلاد، وما فتئوا يتفاعلون ويتداخلون مع محيطهم الحيوي الطبيعي على كل المستويات الإنسانية على امتداد ذلك التاريخ الطويل.

الصفاء العرقي أطروحة خلبية لا تتسق مع كشوفات علم الطب المورثي بأي درجة، والبشر جميعهم وخاصة أبناء حوض المتوسط والشرق الأوسط متداخلون وراثياً إلى درجة كبيرة يبدون فيها كما لو أنهم سلالة عائلة واحدة توزع أبناؤها على امتداد مساحة جغرافية شاسعة في أمد ليس بالبعيد.

التفريق عرقياً بين البشر على أساس اللغة التي يتحدثون بها في بيوتهم قاصر وخطير ولا يمت إلى المنطق بصلة، فالبشر يتبنون تاريخياً اللغة الأسهل لهم في التواصل، ويغيرون ذلك حسب ظروفهم الآنية. والمثال الأسهل لدحض نهج تفريق البشر على أساس لغوي هو أن سكان أمريكا اللاتينية الأصليين راهناً يتحدثون الإسبانية أو البرتغالية، وهم ليسوا إسباناً أو برتغاليين، ونفس الحال ينطبق على الكثير من الدول الأفريقية التي تتحدث الفرنسية أو الإنجليزية في حياتها اليومية وهم ليسوا بالتأكيد فرنسيين أو إنجليز.

الشعوب التي يتحدث أبناؤها أكثر من لغة في حياتهم اليومية هم أكثر نشاطاً من الناحية العقلية، وأقل عرضة للإصابة بأمراض تنكس الجهاز العصبي، وخاصة العته الشيخي أو الخرف؛ والأطفال الذين يتحدثون أكثر من لغة في تواصلهم مع أقرانهم يبدون قدرات أعلى على التعلم عموماً، وأداءً أفضل في الرياضيات، وجميع اللغات التي يدرسونها منهجياً في المدرسة. أي بمعنى آخر تعلم لغات متعددة يغني الجهاز العصبي، ويصقل قدراته على التعلم والتفكير المنطقي.

الشعب الكردي في سورية تعرض للظلم والقهر كما تعرض له كل أطياف الشعب السوري الأخرى على امتداد عقود الطغيان المافيوي الأسدي، وما زاد في تعقيد ذلك إيغال النظام الأسدي بالتمييز ضد أكراد سورية اتساقاً مع عقيدة حزب البعث الفاشية التي كانت الواجهة التزويقية للنظام الأسدي، والتي صدَّق بعض أزلام النظام بأنها إيديولوجية ناظمة لعمل نظام المنخرطين في عديد أزلامه، فأوغلوا في استبطان وتطبيق رؤيتها الفاشية العنصرية للعروبة على شكل صفاء عرقي ولغوي لا وجود علمياً أو تاريخياً له، وأصبح من الممكن التعامل مع من لا ينتسبون إليه كأغيار لا دية لهم.

الكثير من القيادات الكردية على اختلاف مشاربها وألوانها العقائدية والقبلية المتلبسة لبوساً سياسياً قاصرة، وتتسم بعسر الرؤية الاستراتيجية، ويتجذر في تكوينها الكثير من شوائب البنى الإقطاعية التي عفى الزمن على مثيلاتها، وهي تدمن على استغلال شعور الشعب الكردي بالظلم التاريخي لتحقيق مآربها وتوطيد امتيازاتها الخاصة والضيقة على حساب مصالح جل المظلومين الذين تدعي الحديث باسمهم.

لا بد من تفهم الأسباب التي تدعو الكثير من أبناء الشعب الكردي للاعتقاد بضرورة النضال من أجل تحقيق وطن قومي للشعب الكردي أسوة بكل أمم الأرض الأخرى، وأن عدم الاتفاق مع تلك الأطروحة لا يستدعي اعتبارهم أعداءً لا يستقيم التواصل معهم إلا بالحديد والنار. فالحقيقة أن كل شعوب المنطقة كانت تعيش بتناغم تكون تاريخياً بعجره وبجره على امتداد قرون طويلة شملت حكم الأمويين، والعباسيين، والسلاجقة، والمماليك، والعثمانيين من بعدهم جمع كل الإثنيات والمذاهب واللغات في إطارها الجغرافي العريض، ولم يكن فيه للدولة القومية بالشكل الذي اجترحه الأوربيون من جسد الدولة العثمانية الآفلة وجود، إذ كان من الطبيعي أن ينتقل ابن بلاد الشام من دمشق إلى مكة ومن بعدها إلى بغداد وإسطنبول والقاهرة وما بينهما بشكل لا توجد فيه أي حواجز تذكر سوى تلك الطبيعية الجغرافية منها.

لا بد من عدم تناسي الطريقة البربرية التي اصطنع بها الأوروبيون دولهم القومية لتبرير اقتتالهم الوحشي فيما بين ملوكهم، ومن ثم استخدامها بأشكال متعددة لتفريق ما قاموا باستعماره إمبريالياً بشكل يصعب من بعده تحول الهشيم الذي تركوه بعد رحيل استعمارهم المباشر عنه إلى مجتمعات قوية قادرة على فك ارتباطها بمستعمريها القدماء والاعتماد عليهم، كما هو الحال في كل الدول العربية دون أي استثناء.

الطموح الأولي الجوهري لكل أبناء الجنس البشري يمكن اختزاله بسقف يقيهم عسف الطبيعة، وطعام يقيتون به أبناءهم، وتعليماً ورعاية صحية لأبنائهم أولاً وأنفسهم ثانياً يمكنهم من تحقيق الضالة البيولوجية الأولى المستدمجة في عمق بنيان دارات الدماغ البشري الفطرية، والمتمثلة في حفظ النوع البشري، وتمرير مورثات الآباء إلى الأبناء، وحمايتها من الاندثار عضوياً وحيوياً؛ ولا تشكل موضوعة أي بيرق لا بد لأولئك الآباء والأمهات من إرسال أبنائهم للموت تحت رايته، والتضحية بأرواحهم من أجل إعلائه أولوية بأي درجة من الدرجات في سلم أولويات بني البشر، وإنما عقبة تولدت في سياق تعقد نمط الحياة البشرية في زمنها المعاصر بعد تبنيها لنمط الإدارة المجتمعية القائم على شكل الدولة القومية التنينية الذي اجترحه الأوروبيون في سياق احترابهم فيما بينهم و تقتيلهم لبعضهم البعض الذي لم يتوقف أبداً، وأرغموا باقي أمم الأرض الأخرى على تبنيه في سياق تغولهم التاريخي والاقتصادي والفكري عليها منذ مطلع القرن السابع عشر وحتى اللحظة الراهنة، مع ضرورة اعتبار الغول الأمريكي واستطالاته الكونية كالكيان الصهيوني جزءاً من تمظهرات المشروع الاستعماري الأوربي التاريخي.

استخدام الحديد والنار لحلحلة المسألة الكردية في سورية لن يزيدها إلا تعقيداً وتشابكاً، ويفسح الباب على مصراعيه للراغبين بحرف مآلات الثورة السورية إلى حرب أهلية طاحنة لا يستفيد منها إلا أعداء الشعب السوري وأزلامهم في المنطقة، وعلى رأسهم جيران السوء خبراء التفريق بين أبناء الشعب الواحد تمهيداً لإبادته جماعياً، والتخلص منه والحلول في أرضه في نسق فكر استعماري بغيض لا يختلف قيد أنمله عن نهج المستعمرين المجرمين الأوائل في أمريكا الشمالية وإلى حد أدنى في الجنوبية منها.

ضمان المجتمع دستورياً وعرفياً للخصوصيات الثقافية واللغوية والعقائدية كفيل بحلحلة المفاصل المتشنجة بين المكونات المجتمعية الفسيفسائية، ويمنع تحول الاختلافات فيما بينها إلى وقود لاحترابها، والأمثلة على ذلك كثيرة من بين مجتمعات الأغنياء والمفقرين المنهوبين، كما هو الحال في سويسرا وبلجيكا عن المجموعة الأولى، والبرازيل والمكسيك عن المجموعة الثانية.

 

بالتأكيد هناك حالات لا يمكن فيها حلحلة الاستعصاءات بين الأفرقاء سوى باللجوء إلى العنف ممثلاً بالاحتراب والاقتتال، ولكنها جميعها لا بد أن تنتهي بتسوية ما لاحقاً عبر التفاوض والحوار، وهو ما يطرح سؤالاً ضرورياً في الحالة السورية راهناً عن إمكانية تفادي أي سفك للدماء أكثر مما تم سفكه بأيادي مجرمي نظام الأسد ورعاته من العصابات الطائفية والمجرمين العابرين للقارات من روسيا وغيرها، عبر اعتماد الحوار وسيلة أولى للتواصل بين مكونات المجتمع السوري عموماً، و منم ضمنهم أبناء الشعب الكردي من منطق كونهم شركاء في الأرض والحلم بحياة حرة كريمة ومستقبل طبيعي لمن سوف يخلفهم من ذريتهم بعيد إتمام قسطهم من وجودهم العابر على وجه البسيطة.