ما هي أسباب زيادة معدلات الإصابة بالأورام السرطانية؟

 

إن تفهماً لأسباب تزايد وقوعات مرض السرطان في حياتنا المعاصرة يمثل المفتاح الأولي الذي لا بد منه من أجل بناء رؤية متعقلة لكيفية حماية أجسادنا و أجساد من يهمنا أمرهم من أهلين و أقرباء و أحباء و خلان من شر الأورام السرطانية المستطير، إذ أن معرفة و استكناه آليات تكوين وبنيان و عمل ما نحاول اتقاء شره خطوة لا محيد عنها من أجل نجاحنا في إدراك هدفنا، و هي خطوة لا يمكن الاستعاضة عنها بالتكهن و التخيل و الاستكانة إلى أدبيات شفاهية من شاكلة تلك التي تغرق بها وسائل التواصل الاجتماعي المسمومة، والتي غالبها مقصر أو مضر في كثير من الأحايين.

وبالفعل لقد كان تزايد وقوعات مرض السرطان على المستوى الكوني بمثابة السمة الواسمة للمدنية البشرية الصناعية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبحيث أصبح ازدياد معدلات الإصابة بأي من أنواع السرطانات في أي مجتمع بشري على وجه البسيطة مسألة طبيعية لا تستدعي التوقف عندها والتساؤل عن أسبابها باعتبارها من طبائع الحياة المعاصرة.

وفي الواقع فإن مرض السرطان كمظلة اصطلاحية جامعة لكل الأورام و الخباثات التنشؤية بأشكالها المختلفة، يكاد يكون بمثابة الضريبة المضاعفة التي يدفعها بنو البشر جراء إغراقهم في التغول على كل أحياز الطبيعة والزرع والضرع، ويقينهم الخلبي بقدرة الإنسان على تغيير موازيين التوازن البيئي الطبيعي في كوكب الأرض، وتصنيع كل ما يتوق له الإنسان لتعزيز سيطرته الكليانية على محيطه البيئي، فيما قد يبدو ظاهرياً بأنه تعزيز وترقية لمستوى حياته، بينما هو في جوهره مقايضة خاسرة مع الشيطان مفادها مبادلة بضع سنين من الصحة والعافية، أو حتى بضعة عقود في بعض الحالات، من حياة الإنسان المعاصر للتنعم بمفاعيل الحضارة الصناعية القائمة على مبدأ السعي المحموم لتحقيق الربح السريع المنفلت من أي عقال أخلاقي أو قانوني، حتى لو كان ذلك يعني اندثار حيوات الملايين من البشر كأضرار جانبية لا بد منها بسبب مرض السرطان.

وبشكل أكثر تدقيقاً فإن جُلَّ ازدياد وقوعات مرض السرطان في عالمنا المعاصر يمكن أن يعزى إلى مفاعيل التلوث البيئي الشامل عمقاً وسطحاً في كل أرجاء البسيطة و الهواء و البحار و المحيطات، و ما يرتبط بها من تخرب لبنية و شبكة العلاقات الداخلية في المجتمعات البشرية، و تهدم معظم قدراتها الدفاعية عن نفسها، و حيوات البشر المتشاركين فيها، و سوف نحاول فيما يلي المرور على أهم تلك المفاعيل التي لا يمكن تعديلها أو محاولة تفادي عقابيلها دون تفهم و استيعاب آلية عمل كل منها، إذا لا يستقيم التغيير دون تفهم ما تريد أن تغيره.

أولاً: الانبعاثات الغازية لحرق الوقود الأحفوري و مشتقاته من قبيل الفحم الحجري و النفط الصخري و النفط السائل وما ينتج عنها من تحرير للمعادن الثقيلة السمية كالزئبق، والرصاص، والكادميوم، والزرنيخ، و النيكل المستدمجة في عرى كل المواد التي تستخدم كوقود أحفوري، حيث أن كل تلك المعادن الثقيلة تراكمت في سطح القشرة الأرضية من مصدرها جميعاً ألا وهو النيازك التي كانت تضرب الأرض بأعداد مهولة خلال مرحلة تشكل كوكب الأرض، و من ثم رشحت من قشرة  الأرض خلال مئات الملايين من السنين مع المياه المتسربة من قشرة الأرض إلى باطنها فتم قبطها بقوة الانحشار و التماس الفزيائي و بقوة الشحنات الكهربائية الكامنة في تلك المعادن، ليتم تخزينها و ربطها بعنصر الكربون الذي يشكل المكون الأكبر من مجمل مكونات مختلف أشكال الوقود الأحفوري- و التي هي في الأصل بقايا النباتات و الحيوانات البائدة- و خاصة في عرى و شقوق و ثقوب  تلافيف مكونات النفط و الفحم الحجري  الفزيائية والكيميائية و طبقاتها المدفونة تحت القشرة الأرضية، في صيرورة طويلة هي عمر تكون كوكب الأرض التي امتدت على بضعة مليارات من السنين. وجميع تلك المعادن الثقيلة أصبحت جزءاً عضوياً مما يتنفسه بنو البشر أو يلتهمونه أو يشربونه في حيواتنا المعاصرة جراء انفلاتها من عقالها بحرق الوقود الأحفوري الذي كانت مخزونة فيه؛ وهي عوامل سمية لكل خلايا أجسادهم وخاصة العصبية منها، منتجة زيادة في وقوعات العته المبكر، والتخلف العقلي عند الأطفال، والأهم من ذلك كله زيادة في وقوعات مختلف أشكال الخباثات السرطانية في مختلف أعضائهم. 

ثانياً: النفايات النووية المتسربة إلى البحار والمحيطات والمياه الجوفية أو السطحية لتتبخر منها ومن ثم تسقط أمطاراً على كل أرجاء المعمورة، سواء من الصناعات النووية العسكرية أو السلمية ، أو من النفايات النووية التي لم تعد صالحة للاستخدام والمخزنة في صناديق و براميل أسمنتية تحت الأرض، أو جراء عقابيل الكوارث النووية كما حدث في تهاوي مفاعل فوكوشيما الياباني جراء الزلزال الذي ضرب اليابان في العام 2011، و هي النفايات النووية المشعة التي دخلت و تدخل  في كل سلسلة غذائية يقف الإنسان على قمة هرمها مبتلعاً كل ما تراكم من مواد مشعة في أنسجة ما يلتهمه نباتاً أو حيواناً. وهي الحالة المأساوية التي تحدث باستمرار كل يوم، وفي غير موضع من أرجاء الأرضين دون أن تتطرق لها وسائل الإعلام المتسيدة إلا ما ندر لعدم تطابق تنبه ضحايا تلك الجرائم إلى ما يحدث بحق حيواتهم ومستقبل ذريتهم من بعدهم مع مصالح الفئات المسيطرة والمالكة والمتحالفة مع المؤسسات والشركات وممولي وسائل الإعلام المتسيدة على المستوى الكوني.

ثالثاً: التلوث الكهرومغناطيسي بالأمواج القصيرة الطول من قبيل أشعة المايكرويف، وأمواج الهواتف الجوالة التي أصبحت لكثير من البشر جزءاً لا يتجزأ من أعضاء جسدهم التي لا يطيقون بترها عنهم، إذ أصبح الكثير منهم يفضلون شواء أدمغتهم وأجسادهم بلهيب تلك الأمواج وما ينتج عنها من زيادات في وقوعات السرطانات الدماغية وغيرها على معاناة شرور الافتراق عن تلك الأجهزة المحمولة.

رابعاً: نهم البشر المنقطع النظير وازدياد أوزانهم بشكل غير مسبوق في تاريخ تطور البشرية الذي امتد على سبعة ملايين من السنين، وإدمانهم على الحميات الغذائية المشبعة بالدهون وخاصة الحيوانية المصدر منها، بشكل جعل منها جزءاً لا يتجزأ من معظم الأنماط الغذائية لبني البشر على المستوى الكوني المبنية على نهج الإفراط في تناول الطعام بشكل يفوق حاجة الجسم الطبيعية، وما يقود إليه ذلك من زيادة مفرطة في الوزن، تعتبر بحد ذاتها عنصراً مسبباً لزيادة وقوعات السرطان، من خلال زيادة معدلات التفاعلات الالتهابية في الجسم جراء زيادة عدد الخلايا الدهنية فيه. وفي الواقع فإن حوالي 14% من وقوعات مرض السرطان في العالم المتقدم بين الذكور تعزى لأسباب ترتبط بالبدانة، وتصل تلك النسبة إلى 20% بين الإناث لنفس الأسباب المرتبطة بالبدانة.

خامساً: جائحة الإدمان على التدخين والتي أصبحت كارثة كونية في سياق قوانين اقتصاد السوق القائم على تعزيز الربح السريع بغض النظر عن أي اعتبارات أخلاقية أو إنسانية تتعلق بالعقابيل الصحية على حيوات المستهلكين لأي منتج ينتجه اقتصاد السوق ما دام سوف يدر ربحاً سريعاً، إذ لا ضير من اندثار حيوات بعض البشر في سياق تحقق ذلك الربح السريع كخسائر جانبية لا بد من حدوثها في سياق أي نشاط اقتصادي وفق نهج الرأسمالية المعولمة المتوحشة. وفي نسق الواقع المحزن والمؤلم ذاك على المستوى الكوني تبرز أكثر المجتمعات  التي يدمن أبناؤها على التدخين من دولة عربية بعينها يعاني شعبها ويلات الإفقار والتهميش والاستبداد، مما يجعل أبناءها فريسة سهلة لكل الشركات العابرة للقارات التي تريد تسويق منتجاتها في مجتمعات المقهورين الذين يجدون في الإدمان على التدخين الوسيلة شبه الوحيدة و المتاحة لمقاومة مفاعيل الاكتئاب الجمعي الذي يعاني منه جل المقهورين في أرجاء المعمورة، وهو ما يفسر التزايد المضطرد في معدلات الإدمان على التدخين في الدول النامية المفقرة المنهوبة، وتراجعه الملحوظ في الدول المتقدمة التي يتنعم أبناؤها بما تم و يتم سرقته من مجتمعات المفقرين.

والحقيقة هي أن التدخين يمثل السبب شبه المطلق للإصابة بسرطانات الجهاز التنفسي والرئة بنسبة تصل إلى 90% منها، بالإضافة إلى مسؤوليته عن تسبيب عدد كبير من أنواع السرطانات الأخرى من قبيل سرطانات الفم، والبلعوم، والحنجرة، والمريء، والبنكرياس، والمثانة.

والمضحك المبكي في هذا السياق هو تجريم استهلاك القنب الهندي «الحشيش» في الغالبية المطلقة من دول العالم لكونه مادة إدمانية، وهو زعم غير صحيح، إذ أن الإدمان عليه نفسي محض، كشكل من أشكال التعود النفسي على استهلاكه، دون أن يكون إدماناً واعتماداً جسدياً وفيزيولوجياً عليه يؤدي إلى أعراض انسحابية وخلل فيزيولوجي عند عدم تناوله بانتظام كما هو الحال في الإدمان النفسي والجسدي المزدوج الطابع على التدخين والكحول، وكلاهما مسببان كبيران لطائفة واسعة من السرطانات، بينما لا يرتبط استهلاك القنب الهندي «الحشيش»  فعلياً بأي ازدياد كبير أو قليل في وقوعات السرطان، وينحصر تأثيره الفيزيولوجي في كونه رافعاً للمزاج ومسكناً للألم في الدماغ، وهو ما أدى ببعض الدول لرفع الحظر عن استهلاكه وتنظيم ذلك الاستهلاك بشكل مقنن ومنضبط في محاولة لتخفيف الظواهر والمفاعيل الإدمانية المهولة في تلك المجتمعات على الكحول والتدخين وغيرها من العناصر الصنعية الإدمانية الأخرى. وهذا لا يعني بأن استهلاك القنب الهندي «الحشيش» لا ضرر منه فهو يذهب بالعقل والتركيز والفطنة والذاكرة القصيرة والمتوسطة الأمد، وهو ما يجب تجنبه دائماً، حتى لو لم يكن مسبباً لأشكال متعددة من السرطانات مثل تدخين التبغ المدمر أو استهلاك الكحول القاتل الصامت.

سادساً: التغول على الطبيعة والكائنات الحية الأخرى والذي لم يسلم منه أي زاوية من أرجاء الأرضين، أو أي من الأجناس الحية الأخرى سواء كانت نباتاً، أو حيواناً، أو حتى جراثيم وفيروسات. وهو ما أفصح عن نفسه بانتقالات كارثية لفيروسات كانت محدودة بأجناس حيوانية محددة، كما كان الحال في فيروس (HIV) المسؤول عن مرض نقص المناعة المكتسب، من القردة إلى البشر بعد أن تغول أولئك الأخيرين على مواطن تلك المجموعة الأولى، ولم يتركوا لها من خيار سوى تبادل فيروساتها مع أولئك الوافدين من البشر. وهو نفس الحال الذي حصل مع فيروس سارس الأول، وفيروس سارس الثاني المعروف عموماً بفيروس كورونا، وفيروس حمى الخنازير، وفيروس أنفلونزا الطيور، وغيرها الكثير من الفيروسات، والتي يصل عددها إلى مليون وسبعمائة ألف فيروس حيواني تنتظر أوان انتقالها لبني البشر. وتجدر الإشارة إلى أن الفيروسات الحيوانية المصدر، والتي أصبحت مستوطنة بين بني البشر من قبيل فيروسات HPV, HIV، وفيروس إبشتاين بار، مسؤولة عن زيادة وقوعات الكثير من أشكال السرطانات وخاصة فيما يتعلق بسرطان عنق الرحم والعديد من سرطانات الرأس والعنق، والسرطانات الجلدية. أي بمعنى آخر يشي بوجوب التعقل والتأني والمراجعة لحق بني البشر المطلق في التغول على حق الكائنات الأخرى في الحياة بسلم في مواطنها الطبيعية كمدخل ضروري وملح لتخفيف انتقال فيروسات تلك الكائنات الأخرى الفتاك إلى بني البشر حينما لا يبقى لها موطن طبيعي تعيش فيه سوى ذلك الذي عليها أن تتشاركه مع بني البشر.

سابعاً: اقتصاد السوق الاستهلاكي الذي انطوى على تخليق عدد لا منتاه من المركبات الكيميائية الصنعية دون رقيب أو حسيب فعلي على آليات وطرائق تصنيعها وتحليل وتدقيق في أضرارها الجانبية المحتملة على الأمدين القريب والبعيد على صحة الإنسان، وعلى النظام البيئي الحيوي المحيط به والمتآثر معه؛ إذ أن الهدف يبرر كل وسيلة وفق نهج اقتصاد السوق الوحشي الذي لا يبصر من الأهداف سوى هدف واحد مرتبط بتحقيق أعلى الأرباح بأقصر الآجال بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى سواء كانت أخلاقية أو صحية أو اجتماعية أو بيئية أو غيرها، فلا صوت يعلو فوق صوت تدفق الأرباح إلى خزائن الشركات الكبرى العابرة للقارات ووكلائها من تجار صناعات اللمسة الأخيرة، والذين لا يعني أياً منهم، النظر في الأخطار المهولة التي تنطوي عليها مئات الآلاف من المركبات الكيميائية الصنعية التي قام الإنسان بتصنيعها، وتوسيع نطاق استخدامها إلى أن أصبحت جزءاً عضوياً من مكونات أجساد كل بني البشر ولداناً وأطفالاً وبالغين وكهولاً وشيوخاً، من قبيل مادة Teflon التي تعدت استخداماتها إلى الآلاف من المنتجات الصناعية، ابتداءً من أواني الطبخ التي لا يلتصق الطعام بها، مروراً  بصناعة أدوات إطفاء الحريق و الأسلحة و الذخائر النارية  الخفيفة و الثقيلة، و صولاً إلى صناعة الثياب والمعاطف التي لا يتسرب المطر منها، و صناعة عدسات النظارات الطبية، والأدوات الرياضية، وصناعة المفروشات والسجاد الصنعي، وصناعة مواد لف الأطعمة الجاهزة، وشحوم السيارات، وأقراص التقاط البث الفضائي، وكابلات الهواتف والإنترنت، وجميعها صناعات اخترقت حيوات كل البشر في ظل قوانين العولمة الوحشية دون الالتفات إلى الآثار المرعبة لهذه المادة وحدها في زيادة وقوعات سرطانات الكلية، والجهاز البولي، وسرطانات الخصية والبروستات عند الرجال بالإضافة إلى آثارها المرعبة الأخرى من قبيل زيادة معدلات التشوهات الجنينية عند الولدان والإسقاطات عند الأمهات الحوامل.

ومثل مادة Teflon هناك مئات الآلاف من المركبات الصنعية التي تتفنن الشركات في استنباطها، لتصنيع منتجات استهلاكية جديدة وإدخالها في دورة الاقتصاد الاستهلاكي المحموم القائم على مبدأ الهدر، واعتبار كوكب الأرض مصدراً لا متناه للمواد الأولية، ومقلباً لا قعر له لاستيعاب نفايات كل العمليات التصنيعية لاقتصاد السوق الوحشي، وما ينتج عنها من منتجات صناعية هي في الواقع سموم غالبيتها لا يتفكك مع مرور الزمن على الإطلاق حتى بعد ملايين من السنين، ووجودها في الطبيعة سوف يعني حتماً مرورها إلى أجساد بني البشر وذريتهم من بعدهم دون أي أفق للانعتاق من تلك الحلقة الشيطانية.

والمرعب المهول يكمن في أنه لا توجد أي رقابة حقيقية على سلامة أي مركب صنعي مستنبط حديثاً أو قديماً تقتضي تقصي سلامته و مخاطره الصحية على بني البشر قبل استدامجه صناعياً في أي من دول العالم المتقدم أو غيرها من الدول النامية، إذ لا يتوافر لدى الدول المفرغة من دورها الاجتماعي كحامٍ لمواطنيها قدرة على اختبار مئات الآلاف من المركبات الكيميائية الصنعية التي يغرق بها اقتصاد السوق الوحشي كل المجتمعات في أرجاء الارضين، وهو ما اقتضى من تلك الدول تحويل دورها إلى محكمة لاستقصاء أي شكاوى من أفراد او مؤسسات  باحتمال تسبيب مادة صنعية لسرطان أو مرض ما والتحقق من ذلك الزعم، والذي إن ثبت سوف يكون بعد وقوع الفأس بالرأس و سبق السيف للعذل. وهو الذي لا يصعب على مجرمي اقتصاد السوق البربري التفلت منه عبر تغيير اسم المركب الكيميائي الصنعي المتهم، وإضافة زمرة كيميائية طرفية في أحد جوانبه بحيث تغير من بنيته الكيميائية نظرياً، وليس عملياً، وهو النهج الذي اتبعته شركة Dupont المصنع العالمي الأكبر لمادة Teflon الآنفة الذكر بعد انكشاف جرائمها، وأجيال المشوهين المعاقين التي حرمتها من حقها الطبيعي في الحياة والصحة والعافية، والآلاف المؤلفة من ضحايا الإصابة بمرض السرطان جراء تعرضهم لتلك المادة في عموم أرجاء الأرضين.

ثامناً: إدمان البشرية على صناعة اللدائن حيث أصبح البلاستيك جزءاً عضوياً من حيوات البشر، دون الالتفات إلى المخاطر المهولة المرتبطة باستدماج تلك المنتجات في حيوات البشر بشكل لا يمكن استثناء أي حيز من تلك الحيوات من التآثر والتأثر بمفاعيل استخدام البلاستيك، كأحد دعامات التمدن، وخاصة فيما يتعلق بالآثار الجانبية المهولة لمادة (BPA) Bisphenol A في صناعة البلاستيك، وهي المسؤولة عن زيادة وقوعات سرطانات الثدي، والمبيض، والبروستات، هذا عدا عما تسببه من عقم لدى الرجال والنساء، واضطرابات هرمونية لدى الذكور والإناث. بالإضافة إلى ما تسببه الأمينات العطرية Aromatic Amins المكون الأساسي في صناعة البلاستيك من زيادة في وقوعات سرطان المثانة والجهاز البولي.

تاسعاً: طوفان المبيدات الحشرية والذي أغرق كل ما يتم زراعته على المستوى الكوني بشكل شبه مطلق. وهو الواقع المرير الذي رسخ نفسه عبر وحشية الشركات العابرة للقارات التي قامت بتعديلات مورثية في العديد من أجناس النباتات، ومثالها الأكثر إيلاماً هو نبات فول الصويا الذي لم يعد هناك أي منتج منه على المستوى الكوني غير معدل وراثياً، إذ أن معظم الصفات الوراثية التي قامت تلك الشركات بتعديلها هي صفات قاهرة من الناحية الوراثية تستطيع الزحف والسيطرة على كل زرع طبيعي غير معدل وراثياً عبر انتقال صفاتها القاهرة من خلال الحشرات الناقلة للأبواغ من قبيل النحل وغيره، مما يؤدي في المآل الأخير بعد بضعة سنين أو عقود إلى تغول الأجناس المعدلة وراثياً من أي نبات بشكل شبه مطلق عالمياً كما حدث في مأساة فول الصويا.

وفي الواقع فإن الرعب الحقيقي لا يمكن في أن المزروعات المعدلة وراثياً مسرطنة بحد ذاتها، وإنما بفعل شيطاني يتم بطريقتين، الأولى تتمثل في تحوير النبات المعدل وراثياً ليقوم بإفراز مبيدات حشرية ذاتياً في أنسجته تمنع الفطور والعناصر الطفيلية الأخرى من التطفل و إمراض ذلك النبات، دون الحاجة لرشه بأي مبيدات حشرية، وهو ما يعني استهلاك الإنسان لتلك المبيدات الحشرية المفرزة ذاتياً في جسد النبات حين تناوله لذلك النبات طعاماً، وهو ما يقتضي فعلياً احتمال تأثر خلاياه بنفس الطريقة التي تتأثر بها الطفيليات والفطور الغازية لذلك النبات بما يفرزه من مبيدات حشرية ذاتية، ويؤدي إلى تطفر خلايا بدنه، ومواتها المبكر الذي هو في الحد الأدنى شيخوخة مبكرة لكل مستهلكي ذلك النبات من بني البشر،  إن لم يكن مقدمة لفيضانات من أنواع السرطانات التي يتزايد معدل الإصابة بها باضطراد متسارع ككرة الثلج إن حطها السيل من عل لتستقر بين بني البشر. وبهذه الطريقة الجهنمية تجني الشركات العابرة للقارات التي قامت بالتعديل الوراثي لمنتج زراعي أبارحاً طائلة من خلال احتكارها أيضاً لشيفرة المخصبات والأسمدة الصنعية الضرورية لنجاح زراعة ذلك المنتج، والتي دونها فإن النتيجة الحتمية هي إخفاق المحصول الزراعي، وهو واقع حال زراعة فول الصويا تقريباً على المستوى الكوني الذي يعود الجزء الأكبر من عوائد إنتاجه للشركات العابرة للقارات التي تحتكر حق إنتاج مخصباته و أسمدته بالاستناد إلى قوانين حماية الملكية الفكرية الجائرة المتأصلة في الاتفاقيات الدولية من قبيل اتفاقية منظمة التجارة العالمية وغيرها من الاتفاقيات الدولية المعدة لترسيخ هيمنة الأقوياء على المستضعفين المفقرين المنهوبين ودوام عملية استغلالهم حتى الرمق الأخير من حيواتهم.

والطريقة الخبيثة الثانية التي تستخدمها الشركات العابرة للقارات في حال عدم اعتمادها على نهج تحوير النباتات وراثياً لتفرز مبيداتها الحشرية ذاتياً، تتم عبر احتكارها لشيفرة المبيدات الحشرية الوحيدة الناجعة في حماية ذلك المنتج الزراعي المعدل وراثياً من العناصر الغازية من طفيليات وفطور، وهو المنتج الزراعي الذي يتم تحويره وراثياً بحيث يصبح بحاجة لكميات مهولة المبيدات الحشرية أكثر من الكميات التي تحتاجها الأنواع النباتية الطبيعية الغير معدلة وراثياً  لضمان عدم إخفاق محصولها الزراعي، و هو ما يعني عملياً تزايد أرباح تلك الشركات باضطراد و عدم توقف صبيبها لأي سبب كان جراء اضطرار المزارعين لشراء كميات مضاعفة من المبيدات الحشرية التي لا يعرف غيرهم شيفرتها السرية. وهي المبيدات الحشرية التي تتراكم في التربة وترشح إلى داخل نسيج النبات عبر امتصاصه لها من التربة، لتنقل منها إلى جسد وخلايا الإنسان بعد تناوله لذلك النبات طعاماً، أو عبر تسربها لمصادر المياه التي يشرب منها البشر سواء كانت جوفية او سطحية.

والمثال الأكثر رعباً في التاريخ الحديث هو المبيد الحشري Glyphosate، وهو من مشتقات الفوسفور العضوي، والذي يمثل المبيد الحشري الأكثر استخداماً على وجه البسيطة لمختلف المحاصيل الزراعية، وخاصة تلك التي تمثل القوت الأساسي للغالبية العظمى من البشر من قبيل الذرة، والشعير، والقمح، والأرز. وهو نفسه Glyphosate الذي تحتكر شيفرة وحق إنتاجه شركة مونسانتو مسؤول بشكل مثبت علمياً وقانونياً عن ازدياد وقوعات الإصابة بمرض السرطان لدى فئات عريضة من بني البشر في كل أصقاع الكرة الأرضية وخاصة تلك المتعلقة منها بالأورام الجلدية واللمفاوية.

عاشراً: الإفراط بتناول اللحوم وخاصة الحمراء منها، إذ قد يستقيم وصف نهم بني البشر المعاصرين للالتهام لحوم الكائنات الحية الأخرى، بشكل يفوق حاجتهم الغذائية من البروتينات بأنه أحد أهم الأسباب التي أدت إلى زيادة وقوعات الإصابة بالعديد من الأمراض وخاصة القلبية والوعائية وأمراض العته المبكر، والعديد من الأورام المرتبطة أساساً بزيادة الوارد الطعامي من اللحوم الحمراء عموماً، والتي ترتبط بشكل مباشر ولصيق بزيادة معدلات الإصابة بسرطانات القولون، بالإضافة إلى الأخطار المتعددة للإصابة بسرطانات متعددة لدى مدمني تناول اللحوم المشوية بأشكالها.

ولكن الطامة الكبرى لا تتوقف عند التوصيف الأخير، وإنما تتجاوزه لتصل إلى مرحلة المأساة الكارثية حينما ينظر إلى واقع تربية المواشي أساساً والدواجن إلى درجة أقل، والممارسة شبه الاعتيادية لحقن تلك الحيوانات بهرمونات مصنعة مضاهية لهرمونات الحيوانات الطبيعية نفسها لتعزيز سرعة نموها و زيادة حجمها ووزنها سواء كان ذلك بشكل شرعي أو غير شرعي تغض السلطات النظر عنه في أرجاء الأرضين لغايات اقتصادية على نهج اقتصاد السوق الوحشي، و إدمانه على الربح السريع بغض النظر عن أي خسائر جانبية لا بد من التضحية بها حتى لو كانت حيوات الكثير أو القليل من البشر. وهو الخطر الذي لا مفر من التعرض له عند استهلاك نتاج مطاعم الوجبات السريعة العالمية التي تنتج لحومها جميعها بتلك الطريقة المرعبة.

وهناك العديد من الأشكال الكيميائية لتلك الهرمونات الصنعية التي يتم حقن المواشي والدواجن بها، والتي لا تختلف إلا قليلاً عن الهرمونات الطبيعية التي تفرزها أجساد الحيوانات والبشر أيضاً. ويمكن إجمال تلك الهرمونات الصنعية بثلاث مجموعات أساسية، الأولى مجموعة الهرمونات من مشتقات هرمون التستسرون وهي هرمونات بنائية Anabolic تؤدي إلى زيادة الكتلة العضلية في الحيوان، والثانية مجموعات الهرمونات من مشتقات الأستروجين وهي هرمونات إخصابية تؤدي إلى زيادة الكتلة الدهنية والشحوم في جسد الحيوان المحقون بها، والثالثة هي مشتقات هرمون البروجسترون وهي هرمونات حابسة للماء في جسد الحيوان الذي يحقن بها، وتؤدي إلى زيادة وزنه وبالتالي سعر لحمه بعد ذبحه وسلخه.

وجميع تلك الهرمونات الصنعية تتسرب مع لحم تلك الحيوانات حينما يلتهمها بنو البشر إلى نسجهم وخلاياهم مسببة كوارث حتمية مهولة، لا يمكن حصرها تتراوح بين اضطرابات البلوغ المبكر، والاضطرابات الهرمونية، و القزامة،  والصلع المبكر، والعدوانية، ومتلازمة المبيض عديد الكيسات، والعقم عند الرجال والنساء، وصعوبات الإنجاب، والضعف الجنسي عند الجنسين، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول، والإجهاضات المبكرة، وحتى الاضطرابات الدماغية في مرحلة تخلق الأجنة التي يحتمل أن تؤدي إلى اختلال في توجهاتهم الجنسية لاحقاً في حيواتهم بعد مرحلة البلوغ. وأهم تلك الكوارث الصحية قد يكون زيادة وقوعات كل أشكال السرطانات المرتبطة بزيادة التعرض لتلك الهرمونات من قبيل سرطانات الثدي، والرحم، والمبيض والبروستات.

أحد عشر: تهشيم طبقة الأوزون وهي طبقة في الغلاف الجوي مسؤولة عن ترشيح حوالي 99% من الأشعة فوق البنفسجية التي تصل إلى القشرة الأرضية من الشمس، وهي عامل مسرطن شديد الفعالية على كل ما تقع عليه من جسد الإنسان سواء كان في جلده أو شبكية عينيه.

وبنفس الآلية التي تصنع بها الشركات العابرة للقارات مئات الآلاف من المركبات الصنعية الكيميائية دون الالتفات إلى آثارها الجانبية الصحية والبيئية، فإن هناك الكثير من المركبات الكيميائية من فئة الكربون المكلور المفلور Chlorofluorocarbon (CFCs) والتي لا زالت تصنع على المستوى العالمي على الرغم من معرفة مصنعيها بآثارها البيئية المرعبة في تذويب طبقة الأوزون في الغلاف الجوي، وتقليل فعاليتها في حماية البشر من التعرض لمخاطر الأشعة فوق البنفسجية والسرطانات العديدة التي تنجم عنها. وعلى الرغم من المعاهدات الدولية لحظر تصنيع تلك المواد فإنها لا زالت تنتج وعلى نطاق واسع في العديد من دول العالم النامي ليتم استخدامها لاحقاً في منتجات للاستخدام في دول العالم المتقدم، والتي تستطيع حينئذ التباهي بأنها لم تعد تصنع مثل تلك المركبات في دولها، دون الالتفات إلى الحقيقة المخفية بكونها المستهلك الأكبر لكل ما تصنعه الدول النامية من تلك المركبات.

إثني عشر: الإدمان على الأغذية المصنعة والمعلبة، والتي تحتاج إلى أكداس من المواد الحافظة لحفظها من البلى والتلف وزيادة عمر تخزينها على رفوف المحال والدكاكين. والنظر في المخاطر الصحية التي يجلبها استهلاك أي من المواد الحافظة المصنعة يحتاج إلى مجلدات لتكثيفها وتبسيطها للمتلقي العادي، وذلك لتفنن الشركات المنتجة في صناعة تلك المواد الحافظة في تسميتها وإنتاج أشكال مختلفة منها عبر تصنيعها بزمر كيميائية طرفية لا تغير من جوهر فعلها شيئاً، وإنما تعقد مهمة الباحثين في محاولة تصنيفها كيميائياً، حتى قبل البحث في احتمالات الأمراض التي يمكن أن تسببها في أبدان بني البشر. وقد تكون المادة الحافظة الأكثر شيوعاً على المستوى العالمي هي مادة نترات الصوديوم، والتي تهدف أساساً لتقليل احتمالات النمو الجرثومي في أي منتج غذائي، بشكل لا يختلف عن الفعل الذي يقوم به ملح الطعام حينما يستخدم لحفظ الأجبان والمخللات، ولكن دون الطعم المالح الذي يستشعره الإنسان حينما يتناول أطعمة مشبعة بنترات الصوديوم حيث لا يوجد مستقبلات طعامية متخصصة في الحليمات الذوقية اللسانية متخصصة بتذوق نترات الصوديوم، وهو ما يزيد من اندفاع منتجي الأغذية المصنعة لإغراق منتجاتهم بها لزيادة مدة صلاحية تخزينها، دون الالتفات إلى الحقيقة المرة بأن امتزاج نترات الصوديوم بعصارة المعدة يشكل مركباً معقداً يزيد من معدلات وقوع سرطان المعدة أساساً والأمعاء والقولون بدرجة أقل.

ثلاثة عشر: تهالك منظومات الصناعات الدوائية على المستوى العالمي والتي أصبحت خاضعة لقوانين اقتصاد السوق الذي يقتضي السعي المحموم لتحقيق الربح بأسرع الطرق وأقل التكاليف بغض النظر عن أي اعتبارات أخلاقية أو اضطرار بيئية أو صحية محتملة لا بد من التسليم بها كخسائر جانبية لا بد منها لدوام الربح، حتى لو كانت حيوات الملايين من البشر. وهو الواقع الذي أدى لهجرة كليانية لصناعة المواد الدوائية الفعالة لمختلف أنواع و أصناف الأدوية من الدول المتقدمة إلى المجتمعات المفقرة المنهوبة في الصين والهند والبرازيل والمكسيك التي لا رقابة فعلية فيها على أي أضرار بيئية تسببها تلك الصناعات، وجميعها صناعات ملوثة للبيئة بامتياز، بالإضافة لانعدام أي رقابة علمية ذات معنى على جودة ونقاء صناعة المواد الدوائية الفعالة وخلوها من التلوث بالمعادن الثقيلة والمواد المسرطنة الأخرى التي تحدث بشكل طبيعي خلال عملية صناعة المواد الدوائية الفعالة، والتي يجب تنقيتها منها، قبل تصديرها إلى مصانع دول العالم الأخرى في العالم المتقدم والنامي على حد سواء، و التي تعمل جميعها وفق نهج صناعة اللمسة الأخيرة المعتمد أساساً على سكب المواد الفعالة المستوردة من مصانع الصين والهند والبرازيل والمكسيك ومزجها بسواغات تكميلية و من ثم سكبها على شكل حبوب وشرابات وكبسولات، وتعليبها، وتسويقها دون الاجتهاد بصناعة المادة الفعالة فيها، أو حتى اختبار نقائها، وعدم احتوائها على مواد مسرطنة، لكلفة تلك المهمة العالية، وعدم تلاؤمها مع نمط الإنتاج القائم على صناعة اللمسة الأخيرة والتعليب والتسويق. وذلك الحال المأساوي أفصح عن نفسه في سلسلة فضائح لا تنتهي من سحب ذلك الدواء أو ذاك بعد الاكتشاف بالصدفة لاحتوائه على مواد مسرطنة، واكتشاف كارثة استهلاك مئات الملايين من البشر له ومن نفس نتاج الشركة المصنعة له لعدة سنوات سابقة دون الانتباه لذلك كما كان الحال في سحب مجموعة واسعة من أدوية ارتفاع ضغط الدم من فئة مثبطات مستقبلات الأنجيوتنسين من قبيل Losartan, Valsartan على المستوى العالمي مؤخراً، والتي يستهلكها مئات الملايين من البشر في عموم أرجاء الأرضين، وما كان من السلطات الرقابية في العالم المتقدم  إلا أن اعترفت بوجود مواد مسرطنة في تلك الأدوية، وبررت إعادتها إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية بأن الخطر من زيادة الإصابة بالسرطان جراء استخدامها هو خطر بسيط يتمثل في زيادة عدد المصابين بالسرطانات بنسبة حوالي 22 إصابة من كل مئة ألف مستهلك لتلك الأدوية، و هو ما لا بد من قبوله لعدم وجود بديل لصناعة تلك الأدوية في العالم المتقدم سوى ما تنتجه تلك الشركة المصنعة لتلك الأدوية في الصين. نعم هذا كان خطاب السلطات الرقابية في العالم المتقدم فما بالك بخطاب السلطات الرقابية في الدول النامية التي ليس فيها جلها من الرقابة إلا ذلك المرتبط بتأبيد الاستبداد والطغيان والتسبيح بحمده، دون أي اعتبار لصحة وحيوات المقهورين المستضعفين يدفعها لأن تمر على تلك الفضيحة أو ما كان على شاكلتها - وهو كثير عسير على الإحصاء والحصر- حتى مرور الكرام أو الأرذال.

 

في الواقع إنها صورة قاتمة لما وصلت إليه البشرية من مستنقع مهول من البؤس والتلوث والموت المقيم مع وقف التنفيذ في حياة كل إنسان ينتظر دوره للوقوع فريسة لجرائم البشر في التغول على الطبيعة، بعد إغراقه في مستنقع أوهام الثروة والمدنية الخلبية. وهو واقع تراجيدي لا فكاك منه إلا بتفهم آليات عمل هذا الواقع المؤوف بشكل دقيق وعدم الهروب منه على طريقة النعامة التي أدمنت دفن رأسها في الرمل، أو على طريقة امرئ القيس بأن «اليوم خمر وغداً أمر»، أو غيره من الخطابات النكوصية الاستسلامية، إذ لا بد من العمل الدؤوب، كل على قدر طاقته واستطاعته لمحاولة تفادي وتصحيح تلك الممارسات والسياقات البشرية التي أدت إلى تفاقم وتعملق غيلان السرطانات التي تتربص ببني البشر جميعاً، على أمل أن يستطيع البشر التعامل معها باجتثاث أسبابها، علَّ ذلك يزيد من فرص الأجيال القادمة في حياة طبيعية لا تكون فيها سدرة المنتهى الاستيقاظ غير مصاب بورم خبيث فتاك، وعدم الاضطرار راغماً على لعن الأسلاف الفاسدين المفسدين - الذين قد يكون جيلنا آخرهم - بعد أن ضيعوا فرص الحياة الطبيعية للأجيال القادمة جراء قصر نظرهم، وأنانيتهم، وجشعهم، وتبذيرهم، وغيهم، وسكوتهم المزمن عن الحق وتواطئهم المريب مع الشيطان نفسه.