
سوف نحاول اليوم مقاربة تساؤل مركب مفاده كما يلي:
هل هناك أي استقلالية للعلماء والبحث العلمي في دول الشمال الثري المتقدم، وما هو وضع العلماء العاملين في دول الجنوب المنهوب المفقر.
وفي سياق الإجابة عن التساؤل السالف الذكر يمكن الإشارة أولاً إلى تحول الغالبية الساحقة من العلماء في العالم المنهوب رغماً عنهم إلى أساتذة على شاكلة أولئك المشتغلين في المدارس الثانوية يعمل معظمهم في جامعات تحولت معظمها إلى مدارس ثانوية كبيرة جوهر آليات العمل فيها مستند إلى الاسحتفاظ والاستذكار وتعزيز مهارات الذاكرة القصيرة والمتوسطة المدى لدى الطالب، ودون أن يكون للبحث العلمي والاستكشاف التنقيبي عن المعرفة أي دور فعلي في آليات العمل الداخلية في تلك الجامعات. وقد يستثنى من تلك المجموعة رهط صغير يعمل في الصناعات العسكرية في بعض الدول النامية – كما هو الحال في القوتين النوويتين الهند وباكستان- وهي صناعات تجافي في جوهرها الهدف الأسمى للعلم ألا وهو تحسين شروط حياة الإنسان كليانياً، حيث أن هدفها شبه الأوحد هو صناعة الموت بغض النظر عن المبررات الأخلاقية أوغير الأخلاقية لذلك الهدف كما هو في النتاج العلمي الذي تمخض عن تصنيع الأسلحة النووية في الهند والباكستان والصواريخ الباليستية في غير موضع من أرجاء العالم المنهوب.
أما في العالم الثري المتقدم فالموضوع أكثر تعقيدًا ومخاتلة، إذ يتوجب على من يساهم بإنتاج علمي منتظم ورفيع أن يحافظ على إمكانية استئجار قوة عمله كعامل ذي ياقة بيضاء، أو بمعنى آخر عبد صالح للاستئجار المؤقت في مركز علمي مرموق في جامعة أو مركز متخصص في البحث العلمي. ولكي يحقق تلك المعادلة فلابد له من الحصول على تمويل من أموال دافعي الضرائب للأبحاث التي يعتزم القيام بها، وهنا يكن مربط الفرس. فالتمويل الذي يحتاجه العالم لما يكن غير مشروط في أي لحظة موضوعية من تاريخ البحث العلمي في العالم الإمبريالي إلا شكلياً؛ حيث تقوم الجهات المانحة للتمويل بعملية ضبط من يحصل على ذاك التمويل ومن يحجب عنه في منظومة متشابكة العرى يشرف عليها نظرياً الساسة المنتخبون ومن ينتدبونه من موظفين عموميين في مفاصل بنيان الدولة في العالم الإمبريالي. ولكن أولئك الساسة وخيارتهم جميعها مشروطة بمصادر تمويل حملاتهم الانتخابية، والحفاظ على صورتهم المنمقة إعلامياً، وجميعها تصب في المآل الأخير في جعبة نفس الشركات السرطانية العابرة للقارات الحاكمة الفعلية في العالمين الناهب والمنهوب. وبالتالي يحدد ويؤطر الساسة أولئك الحقول المعرفية التي يحق للعالم طلب التمويل لبحثه العلمي فيها. وكمثال على ذلك يمكن لعالم الحصول على تمويل لإنتاج دواء جديد لمرضى نقص المناعة المكتسب، ولكن ليس لتطوير لقاح يستأصل ذلك المرض جذرياً إذا أن ذلك قد يؤثر على أرباح شركات الأدوية التي تتربح من معاناة أولئك المصابين به، ولا يمكن له أبداً طلب تمويل لإيجاد لقاح ناجح لمرض الملاريا إذ أن الذين يقضون به من المعدمين في غياهب القارتين الصفراء والسمراء ينطبق عليهم من منظور العقل الإمبريالي الكوني توصيف جورج أورويل لهم بأنهم «لا بشر» «Unpeople».
وفي الواقع العياني المشخص تحدد تلك الشركات الرأسمالية العملاقة العولمية حقول وحدود وآفاق البحث العلمي على المستوى الكوني على حساب دافعي الضرائب في الدول التي تتحكم بصناعة القرار السياسي فيها بشكل غير مباشر عبر من تصعد به إلى دفة الرياسة بتمويل حملاته الدعائية و الانتخابية، لتقتنص ذلك النتاج العلمي البحثي بعيد نضوجه وتعتقه و تشربه بخلاصة كد واجتهاد العلماء المرغمين على البحث في ذلك الموضوع دون سواه، وتحوله إلى مدخل مستحدث لنزح مدخرات الفئات المسحوقة على المستوى الكوني التي لا حول لها ولا قوة في حيز الصحة و المرض مثلاً سوى طرق كل الأبواب، وبذل كل غال ورخيص في سبيل الاستحصال على علاج ناجح حينما يحل السرطان أو غيره من الأمراض المستعصية بين حناياها، وهو الذي لم يكن يريده أو يتمناه الغالبية من العلماء الخُلَّص الذين أسهمت جهودهم الجمعية على المستوى الكوني في اكتشاف ذلك الترياق. وهي معادلة شيطانية تعيد إنتاج صيرورة القهر والاستغلال الكوني في حيز البحث العلمي الذي يبدو أن العلماء يشاطرون فيه أقرانهم من المسحوقين في استعبادهم الكوني باختلاف الشكل الإخراجي التزويقي لكل حالة مستعبد دون أن تفترق في جوهرها عن حال أولئك المستعبدين الآخرين إلا قليلاً.
