ملاحظات حول مآلات الثورة السورية

 

قد لا تستطيع كل البلاغة الشعرية والقدرات التوليدية للغة العربية على مقاربة عمق انفراج أسارير جل السوريين المظلومين المقهورين برحيل رأس نظام الأسد، وانفتاح الآفاق على احتمالات إمكانية بناء وطن سوري جامع لكل السوريين عنوانه العريض الحرية والعدالة والمساواة والعيش الكريم لكل أبنائه.

ولكن في هذا السياق يجب عدم تناسي أن جسد النظام السوري ودولته الأمنية لم يرحل عن سورية، وإنما فقط توارى عن الأنظار مرحلياً، محاولاً إعادة تلوين جلده الأمني الانتهازي الفاسد المفسد بلون جلد الثورة للدخول في نسيجها المجتمعي الجنيني؛ عبر ركوب موجتها لغسل عواره ظاهرياً، وهو ما لا بد أن يفضي إلى إعادة إنتاج كينونته البائسة و نهجه في الفساد والإفساد الذي تربت مكوناته عليه وأصبح جزءاً عضوياً من منظومتهم الأخلاقية المتهتكة وسلوكهم المنحرف؛ وهو ما قد يهدد إمكانيات بناء المجتمع السوري المنشود عبر السماح للفاسدين المفسدين من أزلام النظام البائد بالدخول في عراه، وجرها باتجاه الوراء لإعادة إنتاج دولة الفساد والإفساد من جديد مع تغيير شكلي في رأس المنظومة المجتمعية دون آليات عملها الداخلية. وعلى سبيل المثال يمكن ملاحظة خطاب وزير عدل النظام البائد في سياق تسليمه لمفاتيح سطوته الإدارية إبان نظام الأسد البائد لحكام سورية الجدد، وهو يحاول إعادة تعريف نفسه كما لو أنه كان يتشوق طوال عمره لتنفس الحرية، وأنه على استعداد لخدمة الثورة حالياً بكل ما أوتي من قوة، كما لو أن هذه القوة الكامنة لم تكن على رأس هرم الجهاز القضائي الفاسد من رأسه إلى أخمص قدميه في سورية، والتي كانت تعمل لشرعنة الأحكام القضائية الغرائبية لدولة الرعب الأسدية من قبيل النيل من هيبة الدولة، و إقلاق السلم الأهلي، ووهن عزيمة الأمة، وإضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني، وزعزعة الاستقرار، ومقاومة النظام الاشتراكي، وما كان على شاكلتها من تهم لا يمكن تعريف وتلمس ما تعني إلا في قواميس الدولة الأمنية السورية ومشرعني طغيانها في وزارة العدل السورية وجهازها القضائي الفاسد المفسد من رأسه إلى أخمص قدميه، و الذي كان محركه الداخلي على مر العقود الماضية تلبية أوامر الأجهزة الأمنية وشرعنة بطشها بحق المواطنين العزل، وشفط كل ما أمكن شفطه من الوالجين إلى جوف الجهاز القضائي الفاسد المفسد وشبكاته العنكبوتية الرثة عبر أقنية الرشوة التي دونها لا يمكن لأي من علق في  عرى تلك الشبكة المهولة الانعتاق من تلابيبها و دهاليزها العفنة.

والنقطة الثانية الواجب الإشارة إليها تتعلق بأن النزعة السلمية الرفيعة التي تحلى بها فصل إسقاط رأس نظام الأسد في ملحمة ثورة الشعب السوري المظلوم، والتي ترفعت عن أي نهج انتقامي لا يمكن إلا أن ينتج حلقة من العنف والعنف المضاد لا يستفيد منه إلا المتربصون بالجغرافيا والمجتمع السوري كما دأبوا على ذلك، ولم يتوقفوا عنه منذ إرهاصات الثورة العربية الكبرى وحتى اللحظة الراهنة، وإن كان بأشكال متباينة في الإخراج والتزويق وليس الجوهر والمبنى؛ لا يمكن أن تتوطد وتتأسس – أي النزعة السلمية الرفيعة السالفة الذكر-  في بنيان المجتمع السوري إن لم يكن هناك منظومة للمصالحة الوطنية تحاسب وتسائل بشكل ممنهج ومقونن كل من أجرم بحق الشعب السوري، وخاصة أولئك الذين كانوا في عديد أجهزة القمع الأسدية وفروعها الأمنية التي لا حصر لها، واشتغلوا في مفاصلها التي طحنت أبناء الشعب السوري وعذبتهم وذوبتهم في أحواض الأحماض الحارقة، وشوت أبدانهم بالأفران الجهنمية، وكبست أجسادهم المثخنة بمفاعيل التنكيل و التجويع و الإذلال في معاصر الموت الذي لا موت مثله، ورمت ما تبقى من هشيم أجسادهم في مقابر جماعية على امتداد الخارطة السورية برمتها. وبشكل أكثر جلاء وإفصاحاً فإن ثورة الشعب السوري المقهور المظلوم المنهوب المنهك لن يستقيم اشتداد عودها بشكل صحي قابل للتطور والتصعد ما لم يتم الالتفات إلى خطر المتسلقين الانتهازيين الحربائيين من أزلام النظام البائد وزبانيته في مفاصل دولته الأمنية ومؤسسات فساده وإفساده الذين يظنون أن الالتحاق بركب الثورة سوف يطهرهم من جرائمهم، ويمكنهم من التصعد من جديد لتخريب المجتمع السوري الجديد الذي يراد له أن يخرج من أسر الحطام الركامي الذي حوله إليه نظام الدولة الأمنية على امتداد العقود الخمسة الأخيرة من عمره، وأن رأب الصدوع المجتمعية لا يتم عبر تناسي الجروح والقروح العميقة التي لا زالت تنضح بقيحها التاريخي، وإنما عبر مصالحة وطنية ممنهجة منظمة تعاقب وتحاسب كل من ظلم وعذب وقتل أبناء الشعب السوري المستضعف كما حدث في محاكم المصالحة الوطنية في جنوب أفريقيا بعد انهيار نظام الفصل العنصري فيها في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، وكما حدث في محاكمات مجرمي في نورمبرغ في ألمانيا عقب خسارتها في الحرب العالمية الثانية.

 

لقد ضحى الشعب السوري المظلوم المقهور كثيراً وعلى امتداد عقود طويلة، ولا بد من الحذر والصبر والمصابرة لحفظ مكتسبات ثورته الراهنة من كل ما قد يودي بتلك المكتسبات إن لم يتم الالتفات إلى تلكما النقطتين البديهيتين اللتين لا بد أن لا تغيبا عن خاطر كل عاقل مؤمن بحق الشعب السوري كما كل شعوب الأرضين بالحرية والعدالة والكرامة والعيش الكريم.